
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
في زحمة الأخبار التي تتناقلها وسائل الإعلام الفرنسية عن محاكمة المواطن المغربي “حكيم ح.”، الذي أشعل سيجارته من شعلة جندي المجهول بباريس، يغيب صوت آخر؛ صوت لألف قصة وقصة لمهاجرين يجدون أنفسهم فجأة على خط المواجهة، ليس مع القانون فحسب، بل مع آلة إعلامية لا ترحم.
لقد تحول حكيم من مجرد شخص ارتكب “حماقة القرن”، كما وصفها هو، إلى أيقونة لـ “المهين والمُهان”، ووسيلة لتأجيج خطاب الكراهية ضد المغتربين. فبدلا من التركيز على حيثيات قضيته الإنسانية، وملابساتها النفسية المعقدة – كمعاناته من اضطرابات نفسية وإدمان – انصب التركيز على هويته المغربية، وكأنها هي التهمة الأساسية.
بمهارة خبيثة، تم ربط “فعلة” حكيم المتهورة بمسألة الهوية والولاء، وتحويلها إلى هجوم على “ذاكرة من ماتوا من أجل فرنسا”. وهذا ما يجعلنا نتساءل: هل كانت ردة الفعل الإعلامية ستكون بنفس الشدة والضراوة لو كان حكيم مواطنا فرنسيا من “الأصل العرقي”؟ أم أن هناك “مدانين جاهزين” في قائمة الانتظار الإعلامية؟
في هذا السياق، تعاملت وسائل الإعلام الفرنسية مع القضية بأسلوب يطرح علامات استفهام. صحيفة “لو باريزيان” في عددها الصادر بتاريخ 4 غشت 2025 خصصت نصف صفحتها لواقعة حكيم، واضعة في العنوان الفرعي عبارة “إهانة للرموز الوطنية من مهاجر مغربي”، فيما جاء ذكر حالته النفسية في سطر واحد داخل النص، من دون أي تحليل أو تعاطف. على المنوال نفسه، بثت قناة “BFMTV” في نشرتها المسائية تقريرا حمل إيحاءات سياسية واضحة، مستضيفة محللين ربطوا الحادث بـ “فشل سياسات الاندماج”، متجاهلين بالكامل الشق الإنساني أو العلاجي في القضية.
ولا تبدو هذه المعايير الإعلامية متوازنة إذا ما قورنت بحالات مشابهة ارتكبها مواطنون فرنسيون. فمثلا، في قضية الممثل الفرنسي “بيير بلماد”، الذي تسبب في حادثة سير مروعة عام 2022 وهو تحت تأثير المخدرات، اكتفت معظم الصحف الكبرى – مثل “فرانس إنفو” و”لوفيغارو” – بنقل البيانات الرسمية من دون تضخيم، وركزت على مسار علاجه من الإدمان، ولم تربط الحادث بهويته أو أصوله، بل واصلت بعض البرامج الترفيهية دعمه بحجة “حقه في فرصة ثانية”.
الأمر نفسه تكرر في قضايا إجرامية لمواطنين فرنسيين خالصين؛ فحادثة الشاب “تيو د.” الذي اعتدى على نصب تذكاري عام 2023، عوملت كـ “تهور شبابي”، وخصصت له الصحافة مساحات تتناول نشأته وحياته الاجتماعية، بينما لم يتم الزج باسمه في حملات سياسية أو ربطه بفشل سياسات الدولة.
بعد جلسة محاكمة سريعة، قضت المحكمة على حكيم بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ، بالإضافة إلى وضعه تحت الحراسة لمدة 18 شهرا. وشمل الحكم إلزامه بالخضوع للعلاج ودفع مبلغ رمزي قدره أورو واحد لمركز الآثار الوطنية. ورغم أن الحكم بدا متناسبا مع طبيعة الفعل، فإن الإصرار السياسي على سحب تصريح إقامته يضع القضية في إطار أوسع من مجرد عقوبة قانونية.
التقارير الإعلامية الأولى لم تذكر دوافع حكيم، لكنها ركز على كونه مهاجرا مغربيا، ووضعت حالته النفسية في الٱخر، وكأنها مجرد تفصيل هامشي. أما اقتراح أحد الوزراء سحب تصريح إقامته، فقد شكل عقوبة إضافية تتجاوز نطاق القضاء، وترسل رسالة واضحة لكل مغترب مفادها: “انتبه، هويتك قد تتحول في أي لحظة إلى أداة لإقصائك”.
إن محاكمة حكيم ليست محاكمة لشخص فقط، بل هي صورة مصغرة لظاهرة أوسع: توظيف حوادث فردية يرتكبها مهاجرون لتكريس صورة نمطية سلبية عنهم، وتغذية الانقسام في المجتمع. إنها الطريقة التي تحرق بها أحلام المهاجرين على نار التضخيم الإعلامي، وتجعل هويتهم سببا إضافيا للإدانة. والسؤال الذي يظل معلقا: من يدافع عن حكيم وعن آلاف المهاجرين الذين يواجهون نارا إعلامية لا تنتظر سوى هفوة لتشعل الحطب؟
الوسوم
الإعلام الفرنسي سيجارة



