
السفير 24 – بقلم: البشير حيمري – الدنمارك
يشهد العالم في السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في الاعتراف بمغربية الصحراء، في وقت أصبحت فيه مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب، تحظى بدعم واسع من عدد من القوى الدولية الكبرى. ومن أبرز المؤشرات الدالة على هذا التحول الإيجابي، التقارب الصيني المغربي، حيث باتت الصين، العضو الدائم في مجلس الأمن، على مشارف الاعتراف الرسمي بمقترح الحكم الذاتي كحل نهائي للنزاع المفتعل.
هذا التحول تعززه الاستثمارات الضخمة التي قررت بكين توجيهها نحو المملكة المغربية، في مقابل عزوفها الكامل عن الاستثمار في “الدولة القارة” (الجزائر). والأسباب، كما بات واضحًا للجميع، ترتبط أساسًا بالموقع الاستراتيجي للمغرب، وبكونه الوجهة المفضلة للاستثمار في إفريقيا من طرف العديد من الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، فرنسا، وحاليًا الصين، في انتظار التحاق دول أخرى.
أما روسيا، وهي أيضًا عضو دائم في مجلس الأمن، فتُعتبر شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا للمغرب، وتُبدي موقفًا حياديًا في ملف الصحراء. فإلى حدود اليوم، لم تتخذ موسكو أي موقف معادٍ للمملكة، بل على العكس، تواصل سفنها الاستفادة من اتفاقيات الصيد في السواحل الجنوبية للمغرب، بما في ذلك الأقاليم الصحراوية. كما دأبت روسيا على الامتناع عن التصويت في قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالصحراء، ما يُفهم منه نوع من الحياد الإيجابي أو “الموقف الرمادي”.
وبالنظر إلى مواقف الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، نلاحظ أن أربعًا منها تدعم مبادرة الحكم الذاتي: فرنسا، بريطانيا، الولايات المتحدة، ومعها الصين وروسيا اللتان تقتربان تدريجيًا من تبني الموقف نفسه. ولا يُستبعد، في الأمد القريب، أن تُعلن هاتان الدولتان انضمامهما الرسمي إلى قائمة المؤيدين لمقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الواقعي الوحيد لإنهاء هذا النزاع.
وقد يتساءل البعض عن الدوافع التي جعلت المزيد من دول العالم تقتنع بمبادرة الحكم الذاتي، والجواب واضح: هو نجاح المغرب في فرض نفسه كفاعل استراتيجي على الصعيدين الإقليمي والدولي، مما يفرض على الدول الأخرى مراجعة مواقفها، بما في ذلك “الدولة الجارة”، على غرار أغلب الدول العربية التي باتت اليوم تدافع بشكل صريح عن مغربية الصحراء في مختلف المحافل، خاصة داخل مجلس الأمن والأمم المتحدة.
خلال النقاش الأخير داخل اللجنة الرابعة بالأمم المتحدة، تميزت أغلب تدخلات ممثلي الدول العربية بالدعم الواضح لمغربية الصحراء، باستثناء الجزائر، التي ظلت تغرد خارج السرب، وللأسف التحقت بها مؤخرًا تونس، التي تعيش اليوم في ظل نظام فردي يقود البلاد إلى المجهول. ولا يُستبعد أن تُواجه تونس قريبًا ثورة شعبية مضادة بسبب الأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية.
أما على الصعيد الإفريقي، فقد انضمت دول إفريقية وازنة إلى قائمة الداعمين للوحدة الترابية للمملكة، مثل كينيا والكونغو الديمقراطية، حيث أعادت هذه الدول بناء علاقاتها مع المغرب على أساس الاعتراف الكامل بمغربية الصحراء، وهو ما يُعد مؤشرًا قويًا على نجاح المغرب في كسب المعركة الدبلوماسية داخل القارة.
إن قضية الصحراء المغربية تمثل العدسة التي يبني من خلالها المغرب علاقاته الدولية، حيث أصبحت القوى الكبرى تراهن على شراكة اقتصادية متينة مع المملكة، باعتبارها بوابة إفريقيا نحو أوروبا وآسيا والأمريكتين. وتُجسد الجولة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية المغربي إلى دول أمريكا الجنوبية نجاحًا واضحًا في استقطاب دول كانت إلى عهد قريب تدعم “كيانًا وهميًا”، لا وجود له على خارطة القارة الإفريقية.
وسيأتي اليوم الذي تُطرد فيه هذه “الجبهة” من الاتحاد الإفريقي، بعدما التحقت به عن طريق الخطأ، بتآمر من جنوب إفريقيا، التي تعاني بدورها من انقسامات داخلية حول هذا الملف، ولا يُستبعد أن تُغير موقفها قريبًا وتسحب اعترافها بهذا الكيان الوهمي.
أما تونس، التي أصبحت اليوم “ربيبة” للجزائر، فتعيش على الفتات الذي تمنحه لها “دولة الكابرانات”، فيما رئيسها، الذي وصفه كثيرون بـ”الأحمق”، لا يُخفي عداءه للمغرب، الأمر الذي دفع أحد أكبر الأبناك المغربية للانسحاب من تونس، مما فاقم من أزمتها الاقتصادية.
وتبقى الجزائر وتونس وجنوب إفريقيا، إضافة إلى موزمبيق، أكثر الدول عزلة داخل القارة الإفريقية في موقفها المعادي للمغرب. لكن، رغم ذلك، ستبقى الصحراء مغربية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.



