في الواجهةمجتمع

مدينة ابن أحمد تحتضن الملتقى العلمي الأول

مدينة ابن أحمد تحتضن الملتقى العلمي الأول

isjc

السفير 24 – أحمد لعيوني

تعرف المجتمعات حركية مستمرة عبر الزمن، وتتطور هذه الحركية تفاعلا مع مستوى درجة الرقي لكل بلد، حسب الديناميكية التي يسير عليها والنموذج التنموي المقرر في هذا البلد أو ذاك، لمسايرة الظروف الاقتصادية والاجتماعية المؤهلة لاندماج الأجيال الصاعدة في المنظومة الرقمية والعولمة التي تشمل مختلف دول العالم كل حسب المقدرة المتوفرة لديه، وما يستطيع الاستفادة منها. هذا مع أن مسيرة الركب العالمي في تسارع متواصل لا يدع مجالا من مجالات الحياة اليومية، ولا برهة زمنية للاستراحة، أو محاولة أخد نفس لاستمرار الانطلاقة.

وخير ما يمكن اللجوء إليه لمسايرة الركب الدولي في مجال الذكاء الاصطناعي والرقمنة، هو تجديد وتطوير آليات التعليم من أجل اكتشاف المهارات الذاتية، وصقلها استجابة لمواكبة التطورات التكنولوجية خدمة لأغراض التنمية، والرقي بها من أجل التغلب على الصعاب التي تعترض تحقيق متطلبات المجتمع اليومية، وتوفير حاجياته المستمرة، وإشباع رغباته الملحة. ويعتبر التعليم واجهة الدولة وأملها في ضمان مستقبل شبابها، وتأمين حياة أفضل لهم، من أجل بناء وطن يصبو إلى الرقي والتقدم. وهذا يتطلب ربط الجامعة بسوق الشغل من خلال تأهيل نظام التعليم العالي عبر مجموعة من الآليات، وتحديثها باستمرار.

وقد سبق لمشروع النموذج التنموي الجديد بالمغرب الذي ينتظر التنزيل أن اقترح البعض منها، بينما لا تزال الوزارة المكلفة بالتعليم العالي والبحث العلمي والابتكار تتوخى المزيد من الاقتراحات عن طريق تنظيم الملتقيات العلمية والتربوية بغرض استنتاج الأفكار التي يدلي بها مفكرون وجامعيون وشخصيات في مراكز القرار، في تفاعل مع مختلف مكونات المجتمع.

وبناء على ما تقوم به الوزارة عبر مختلف أرجاء التراب الوطني، في إطار التواصل والبحث عن الأفكار والمقترحات، انعقد يوم الثلاثاء 25 يوليوز بمقر المركز الثقافي بمدينة ابن أحمد، اللقاء العلمي الأول بإشراف وتأطير جامعة الحسن الأول بسطات، شاركت فيه فعاليات من عالم الفكر والاقتصاد والأعمال، تنتمي لعدة جامعات على الصعيد الوطني.

قبل انطلاق المداخلات العلمية المبرمجة في اللقاء، قدم مسير الجلسة محمد الجعفري رئيس قسم بالجماعة الحضرية بابن أحمد للحضور، مختلف الشخصيات المساهمة في الندوة، التي حضرها رجال السلطة المحلية ممثلة في باشا المدينة ومساعديه، ورئيس المجلس الجماعي وعدد من المنتخبين المحليين.

افتتحت أشغال الملتقى بكلمة السيد رئيس جامعة الحسن الأول د. عبد اللطيف مكرم، الذي أكد من خلال مداخلته، شكره للجنة المنظمة المكونة من مجموعة من أساتذة كلية العلوم القانونية والسياسية، بإشراف عميدتها، ونائب الجامعة المكلف بالبحث العلمي والشراكات على المستوى الوطني والدولي. وأثنى على تنظيم هذه الندوة العلمية التي عقدت تحت شعار : “انفتاح الجامعة على المحيط الخارجي”، وعلى اختيار المكان لأهمية المنطقة، وإشراك مكوناتها في الموضوع، ولكون المحاضرين ينتمون للمنطقة رغم اشتغالهم في جهات متفرقة.

كما انصبت مداخلة السيدة عميدة كلية العلوم القانونية والسياسية على أهمية هذا اللقاء الأول الذي تشرف على تنظيمه الكلية التي تسيرها، والذي يهدف إلى تجويد منظومة التعليم العالي والبحث العلمي. وأكدت من خلال كلمتها بأن قوة وسيادة الدولة رهين بالإنتاج المعرفي، ومدى القدرة على استثماره اقتصاديا واجتماعيا وتربويا وتعليميا. وأن المعرفة في حد ذاتها تعتبر قوة ومخزونا استراتيجيا يجب تثمينه بزيادة إنتاجه لتحقيق التنمية المستدامة للمجتمع. وهذا الفعل يقوم على مجموعة من الإنجازات، أولها التعليم والابتكار والبنية التحتية. وأضافت المتدخلة بأن للجامعة مهمتان لتعلم وتوصيل المعرفة من حيث كونها حاضنة للمفكرين والباحثين والعلماء داخل مدرجاتها، وتنظر للواقع نظرة علوية علمية. والمهمة الثانية تهتم بالبحث والتعليم فوق أسوار الجامعة عن طريق الانفتاح على محيطها الخارجي، وهذا هو مبتغى الندوة التي اختير عقدها بمدينة ابن أحمد. كما يتمثل الانفتاح في مجالات التواصل وعقد الشراكات مع الفعاليات الاقتصادية وجمعيات المجتمع المدني بمختلف أرجاء الجهة التي تنتمي إليها الجامعة.

الدكتورة سعيدة العثماني، أستاذة التعليم العالي بكلية الحقوق، جامعة عبد المالك السعدي – طنجة، أشارت في مداخلتها بأن ما يفرض على الجامعة وسائلها في الانفتاح على محيطها، يكمن في ثراء الذاكرة الذي تعرفه المدن والمناطق المجاورة، والذي يعتبر نعمة على الجامعة، وليس منة منها عليه. فهو العامل الأساسي لتطورها وإشعاعها. الجامعة قاطرة التنمية بما تتوفر عليه من خبراء ومتخصصين، وتطوير حاجيات المجتمعات تتطلب من الجامعة الاستجابة لها لتقديم الحلول عن طريق الاندماج الفعلي في تقوية قدراتها. ويقضي هذا الفعل ربط التعليم الجامعي بحياة الناس، واهتمامه بمشكلاتهم وحاجياتهم وتطلعاتهم، وصقل القدرات والمهارات، وتحسين أداء الأفراد داخل المجتمع. وتضيف المتدخلة بأن مهمة الجامعة تفرض التفاعل المباشر، أي التحول من تصور الاستقبال إلى عملية التشخيص، والقيام بمهمة عملية داخل المجتمع في إطار كلي للتواصل مع سياق مجتمعي في كل تجلياته الاقتصادية والاجتماعية. كما تتطلب العملية التواصل الموضعي بالذهاب إلى حيث المشكل في إطار ما يسمى بالديمقراطية التشاركية والمجالية، حتى لا تتوقف المعرفة في مكان معين يسهل الوصول إليه، بل ينبغي أن تتعداه إلى مجال المدن الصغيرة والمناطق الهامشية لتأخذ نصيبها من المعرفة، وبالتالي إدماجها في إطار التنمية لاستغلال إمكانياتها محليا.

وأكدت المحاضرة بأنه يتوجب على النموذج الجديد للجامعة خلق قناة اتصال فعالة لتطوير الشراكة، وتكوين مراكز على مستوى الجامعات والكليات للتزويد بالمعلومة لسد النقائص التي تكمن في عمليات الاقتراح، ورصد مجريات الأحداث التي تستخلص منها الأفكار، ونشر البيانات المحصل عليها، وأيضا التنسيق بين الجامعة والمؤسسات الاقتصادية.

وبدوره الدكتور محمد حركات، أستاذ الاقتصاد والحكامة بجامعة محمد الخامس بالرباط، أشار في مداخلته إلى أن مدينة ابن أحمد، مسقط رأسه، والتي بها درس تعليمه الابتدائي والإعدادي، تعاني من نقص كبير في مختلف المجالات، والنهوض بها يتطلب مجهودات مؤسساتية، وأعمال فردية، والكل يمكنه المساعدة في بناء ثقافات الانفتاح. المدينة لم تستفد من المشاريع الكبرى في إطار موقعها بجهة الدار البيضاء سطات التي لها إمكانيات لا يستهان بها. ولمح إلى العمل الذي قام به حيث أشرف على ترحيل خزانة أستاذ النقد الأدبي بجامعة محمد الخامس بالرباط، الدكتور محمد بن الغزواني مفتاح (1942-2021) ، التي وهبها إلى المركز الثقافي بابن أحمد قبل وفاته، بمجموع كتبها التي يصل عددها إلى 4660 مؤلف، لتكون رهن إشارة الباحثين من المنطقة ومن خارجها. واقترح المتدخل التفكير في إطلاق اسم الراحل محمد بن الغزواني مفتاح على المركز الثقافي الذي لا يزال دون اسم. وفي سياق حديثه تطرق المتدخل إلى العديد من النقط ذات الاهتمام المشترك، والتي تتعلق بالإصلاح الجامعي، وتطوير البحث العلمي، من بينها : الرؤية الاستراتيجية التي ينبغي أن يشارك فيها جميع الفاعلين من الاقتصاديين والقطاع العام والخاص، ومنتخبين، وفاعلين اجتماعيين، وذلك بالإنصات للطلبة والأساتذة والإداريين والأسر. وتفعيل عملية التنظيم والتواصل داخل الجامعة. وتطوير الكفاءات والموارد البشرية والمالية المرصودة لمنظومة التعليم والبحث العلمي. وتطرق لتشخيص المخاطر التي تهدد المجتمعات، والاهتمام بدراسة الآفاق بتحديد المشروع الذي بإمكانه القيام بتغيير الأوضاع الراهنة للسكان.

كما أشار لتداعيات جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي، ومن بينها المغرب، حيث أدت إلى إفلاس العديد من المقاولات، وخاصة الصغرى منها، لأنها لم تجد الدعم والمساندة. وأيضا الحرب الدائرة في أوكرانيا، كلها عوامل أدت إلى غلاء المعيشة، وتضرر العائلات المتوسطة التي أصبحت تعاني ماديا، مما أثر على إمكانية تأمين مصاريف الدراسة الجامعية لأبنائها. وأكد بأنه يتوجب خلق فرص جديدة للتعامل مع الأزمة العالمية التي لم تسلم منها بلادنا، وعلينا أن نتعلم كيفية الصمود في وجهها. وأعطى مثالا بدولة الصين التي استطاعت الحفاظ على مستوى لا بأس  به من النمو في عز جائحة كورونا، نظرا لكونها تتوفر على سوق داخلي مهم من المستهلكين. وتطرق لهشاشة الحكامة الدولية، حيث المنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، كلها لم تلعب دورا مهما خلال أزمة جائحة كورونا، نظرا لتشكيلها الوظيفي وغير البنيوي. كل مؤسسة تشتغل بمفردها، مما خلق فراغا في التنسيق والتكامل. وهذا الوضع خلف اختلالا عالميا، وهو في حاجة إلى الإصلاح. 

يقترح المتدخل لإصلاح منظومة التعليم العالي، تقوية القدرات الإستراتيجية والتنظيمية للجامعة، والحكامة الجامعية، لكي يعرف الطالب وجود تمثيلية ديمقراطية داخل الجامعة. وكذلك جعل الطالب والأستاذ والإداري جوهر العملية الإصلاحية، وخلق ديناميكية ما بين البحث العلمي والبيداغوجي، وربط الدروس النظرية بالبحث العلمي. إحداث شراكة بين الجامعة والمؤسسات المنتخبة على المستوى المحلي والجهوي.

 كما اقترح تكوين وسيط داخل الجامعات للفصل في المنازعات ما بين الطلبة فيما بينهم، وما بين الطلبة والأساتذة والإداريين، ويكون هو الفاصل يمتلك قدرات قضائية وإدارية، حتى لا تصل الخلافات إلى القضاء، وتكون الحلول داخل الجامعة. ويرى أن على الجامعة أن تلعب دورا دبلوماسيا، وينبغي أن تمتلك قدرات في هذا المجال، وتكون لها تمثيليات في جامعات الاتحاد الإفريقي على الخصوص، وفي باقي أجزاء العالم حسب مقدرتها وإمكانياتها.

مداخلة رجل الأعمال ذ. فتحية عصام الوراق انصبت على معالجة قضية انفتاح الجامعة من خلال توفير فرص الشغل، وطريقة تأهيل الخريجين لمواكبة التطورات الحاصلة في تحديث سير عمل المقاولات باستمرار، وعدم مواكبة برامج الجامعة مع المستحدثات التكنولوجية. وتطرق لبعض العوائق التي تقف في وجه المترشحين للتوظيف في القطاع الخاص، بحيث لا يحالف التفوق إلا الذين يقومون بتكوين ذاتي، أو التكوين بالتعليم الخصوصي أو بمؤسسات خارج الوطن، وهو شيء صعب، وليس في متناول جميع الطلبة.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى