
السفير 24 – عبد السلام انويكًة
فقدت أسرة طب جراحة العمود الفقري بالمغرب، واحداً من أثاثها العلمي ومتخصصيها اللامعين، الدكتور امحمد شليح رحمه الله الذي وافته المنية مؤخراً بباريز. ولعل الفقيد من مواليد خمسينات القرن الماضي، درس بمجموعة مدارس سيدي أحمد زروق بإثنين الطايفة بقبيلة البرانس الغربية بتازة حيث حصل على الشهادة الابتدائية، قبل انتقاله لمتابعة دراسته بسلك الاعدادي بمؤسسة علي بن بري بتازة، وقبل أن يغادر باتجاه ثانوية محمد الخامس بالدار البيضاء حيث حصل على شهادة الباكالوريا. ليلتحق بكلية الطب بالدار البيضاء ثم بإحدى كليات الطب بفرنسا، حيث حصل على دكتوراه في الطب تخصص جراحة العظام والمفاصل والعمود الفقري، ليشتغل جراحا بمستشفيات فرنسا لسنوات وليواصل بالموازاة انفتاحه على البحث العلمي وتعميق تكوينه، في تخصصات أكثر دقة تهم جراحة اليد والعضو الأعلى والمفاصل بالمضيا وجراحة الجنف.
يذكر أنه خلال سنة ألف وتسعمائة وستة وتسعين عاد رحمه الله لأرض الوطن ليفتتح واحدة من أكبر المصحات المتعددة التخصصات، تلك التي تحولت إلى مصحة دولية تستقبل وافدين مرضى من مختلف دول العالم، مع أهمية الاشارة لِما كان عليه الرجل من تكوين تخصصي دقيق جعله باسهامات علمية تأطيرية هنا وهناك، من خلال عشرات المحاضرات والتكوينات بكل من أمريكا وأستراليا واليابان وتركيا وعدد من دول أوربا والعالم العربي، محاضرات ولقاءات علمية تكوينية ارتبطت تفاعليا بمتخصصين في المجال، من خلال اجراء العديد من العمليات الجراحية الدقيقة لتقويم اعوجاج العمود الفقري والقفص الصدري تحديدا مستوى العظام والمفاصل، بل نظم رحمه الله عشرات الدورات التكوينية في المجال داخل المغرب.
ابن تازة هذا، كان عضوا بالجمعية الفرنسية المتخصصة في جراحة المفاصل بالمضيا، وعضوا مؤسسا للجمعية المغربية لجراحة العمود الفقري، وعضوا بالجمعية المغربية لجراحة العظام والمفاصل وبالجمعية العالمية لجراحة العظام والمفاصل. خلف رحمه الله تعالى ثلاث بنات من أم فرنسية توزعت اهتماماتهم وتخصصاتهم بين القانون والمحاماة بباريز فضلاً عن الاقتصاد والتسيير والمحاسبة. بحسب مقريبن منه رحمه الله، كان بتردد من حين لآخر على تازة تحديدا مسقط رأسه قبيلة البرانس الغربية التي كان بحنين خاص صوبها حيث ما تبقى من عائلته بها. وقد أعرب عن رغبته ذات يوم لدى محيطه الأسري وأصدقاءه من القريبين في اقامة مصحة متخصصة في جراحة العمود الفقري وتصحيح اعوجاج العظام بتازة، بل كان بحماس كبير لجمع شتات نخب قبيلة البرانس هنا وهناك من باحثين متخصصين واطارات علمية وادارية ومستثمرين عن مختلف المواقع والاهتمامات والانشغالات بداخل البلاد وخارجها، لبلورة مكون جمعوي تنموي وظيفي رفيع، وإعداد جملة أوراش ذات طبيعة اجتماعية انسانية تنموية، خدمة منه لبلاد واد لحضر وردا منه لجميل مسقط رأس وبيئة وقبيلة ومدينة واقليم ووطن، لكن يشاء قدر الله تعالى أن يرحل الى دار البقاء في عز عطاءه العلمي الطبي هناك بباريز حيث دفن بعد مرض عجل بوفاته.
عاش امحمد شليح الطبيب المتخصص في جراحة العمود الفقري رحمه الله، حياة توزعت بين عبادة الله تعالى ومساحات مسالك الطب والتخصص والبحث العلمي والتكوين والتأطير والكتابة، وعاش حياة توزعت بين باريز والمغرب متنقلا لعقود من الزمن وكان عاشقا لتخصصه جراحا ماهرا بثقة غريبة من النفس، يكفي أنه كان يسمح بنقل عملياته الجراحية هنا وهناك اينما حل لهذا الغرض في دول العالم، تنويرا منه للطلبة الباحثين والدارسين هناك بفرنسا وغيرها من جهات العالم، وما ادراك ما الجراحة بين قبيلة جراحين متخصصين على المباشر عبر وسائل اتصال ورقميات. هكذا كانت هذه الكفاءة المغربية الطبية وهكذا كان الرجل بهيبة خاصة وكاريزما طبية علمية قل نظيرها، ليس فقط في المغرب بل في العالم ايضا بشهادة أهل الشأن من مغاربة وأجانب. وهكذا كان حقا أحد أعلام طب العظام وجراحة العمود الفقري بالمغرب والخارج، لِما كان يتميز به من ذكاء وتملك لمهنة ظل مخلصاً وفياً لها حريصاً على ما هو مواكبة وتكوين من اجل الخلف، بل حريصا ايضا على كل عمل انساني وفعل خير وشعور بألم فقراء ومحتاجين من المرضى هناك بعدد من مدن المغرب، وعليه يسجل له بحسب شهادة ورواية المقربين منه أنه كان بعشرات العمليات الجراحية التي اجراها لمعوزين مغاربة اطفالا وشيوخا عملا بوصية والده الذي كان بارتباط خاص به قبل فراقه. كان رحمه الله بتواضع قل مثله وبنكران ذات ولطف وجميل صفات طيلة مساره المهني الطبي، مترفعاً صريحا قنوعاً عفيفاً خلوقاً، بحساسية شعور ووجدان وقلب رهيف رحيم تجاه كل أمر وانسان معوز.
هكذا كان شخص الدكتور امحمد شليح طبيب جراحة العمود الفقري، وهكذا تبلورت موهبته الطبية إن صح التعبير، وهكذا تربى في رحاب شيوخ الطب الجراحي بفرنسا، وصنع مساره في المجال عبر حفره في الحجر كما يقال، معتمدا على نفسه واجتهاده وهو ما جعله دوما في مصاف أولى بذكاء خارق وحسن تقدير، وهكذا بقدر ما أدرك رحمه الله جوهر قسم أبقراط وقيم الطب وانسانيته كعلم ومصدر رزق، بقدر ما حرص عليه من سبل فعل خير. لقد كان حقا ممن رفع مشعل طب جراحة العمود الفقري بالمغرب لعقود من الزمن، لِما كان عليه من تكوين متينٍ وخبرة ودروس ولقاءات تنويرية علمية، خدمة منه للطب من جهة ولهذا التخصص الدقيق بالمغرب من جهة ثانية، ليبقى العزاء فيما خلفه من عمل طبي نبيل ومن اسهامات علمية راقية هنا وهناك.
لقد فقد المغرب وفقدت أسرة الطب بالمغرب علامة بارزة لم تكن تهمها الأضواء، فقدت اسماً بخبرة عالية في حقل طب جراحة العمود الفقري. ويشاء القدر أن يلبي رحمه الله دعوة ربه محفوفاً برعايته تعالي مشمولاً بحب من عرفوه وعايشوه وجايلوه..، سلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا، وليس أعظم من قول الله تعالى: “يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية وادخلي في عبادي وادخلي جنتي” “وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون”
مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث *



