في الواجهةكتاب السفير

لماذا معظم دول الجوار تكره المغرب؟

* د. يسين العمري

طُرح عليّ ذات عشاء بمناسبة تغطية ندوة صحفية سنة 2009، سؤال من مسؤول بالمجلس القومي المصري لحقوق الإنسان: لماذا المغرب له مشاكل حدودية مع كلّ جيرانه؟ حينها غلب على جوابي الحماس بحكم السن (حينها 26 سنة)، وأنا أراجع جوابي ذاك اليوم، على هامش التوتر الكبير في العلاقات المغربية الإسبانية حالياً، وبدرجة أقلّ العلاقة المغربية الموريتانية، وبدرجة دائمة التوتر مع الجزائر وصنيعتها البوليساريو، اتّضح لي أنّه حين حضرت الحماسة غاب المنطق والعقلانية، فجوابي كان عبارة عن شوفينية وطنية ربّما محمودة، لكنها مبنية على الشعور والإحساس فقط دون السند العلمي والمعرفي.

لكن تعاقب السنوات، بدأ يقلب المعادلة رويداً رويداً، فبدأ التحليل المسند بدلائل يحلّ محلّ الشوفينية المعتمدة على الحماس والمشاعر، وبدأ الوعي بالدور والموقع الجيو-استراتيجي للمغرب، وبتاريخه العظيم يظهر. المغرب يا سادة كان إمبراطورية تضم حوالي 20 دولة من الدول الحالية، من أوربا وإفريقيا، فمثلاً الفتوحات الإسلامية انطلقت من المغرب الأقصى وبقي بينها وبين باريس ثلاثون كيلومتراً فقط، وخضعت إسبانيا بالكامل وكذا البرتغال للحكم الإسلامي، وكان إقليم الأندلس بالتحديد تابعاً لسلطان فاس ومراكش في عهد المرابطين والموحدين، وكانت جيوش المسلمين العرب والأمازيغ تعبر نحو الأندلس من سبتة تحديداً، لتؤدّب النصارى، هذا شكّل عقدة لدى جيراننا الإسبان، هذه العقدة انقلبت إلى حقد دفين، تجلى في وصية الملكة إيزابيلا ملكة قشتالة حين قالت أنّ كلّ الخير لإسبانيا يكون عبر إضعاف المغرب.

هذا المغرب هو الذي سحق الإسبان في معارك الزلاقة سنة 1086م بقيادة أمير المسلمين يوسف بن تاشفين رحمه الله، المعركة التي جُرح فيها ملك إسبانيا ألفونسو السادس في ساقه جرحاً بليغاً، وفرّ من الميدان في جنح الليل كاللصوص، مهزوماً ذليلاً، في أقل من 300 مقاتل فقط، هم من بقوا من جيشه المكوّن من قرابة مائة ألف.

هذا المغرب هو من انتصر على إسبانيا في عهد أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين رحمه الله، في معركة أُقليش سنة 1108م، التي قُتِلَ فيها الأمير سانشو ولي عهد إسبانيا ومربّيه، وسبع كونطات (النبلاء وكبار الشخصيات من ذوي الثراء والنفوذ الاجتماعي) من حاشية الملك ألفونسو السادس تحت سنابك خيول جيش المغاربة.

هذا المغرب هو من هزم إسبانيا في موقعة الأرك سنة 1195م بقيادة السلطان أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي رحمه الله، والتي أطلق فيها السلطان ثلاثين ألف جندي إسباني مَنّاً بدون مقابل، نظير توسّل زوجة ملك إسبانيا وبكاء بناته أمام السلطان، فرقّ قلبه لهنّ وأعطاهنّ هدايا وانسحب بجيشه عائداً لمراكش (وهذا خطأ استراتيجي كبير)، وقد نكس ملك إسبانيا الصليب وركب على حمار وحلق شعره، وأقسم ألّا يقرب النساء حتى ينتقم.

هذا المغرب في العهد المريني، إبّان فترة حكم يعقوب المنصور المريني رحمه الله، هو من هزم الإسبان في غرناطة بقيادة ملكهم ألفونسو العاشر في معركة الدونونية سنة 1276م، وهو من أمدّ دولة بني الأحمر أو بنو نصر في غرناطة بالرجال والمال والسلاح لمقاومة زحف جيوش النصارى، ولولا هذا الدعم ما صمدت غرناطة ما يزيد عن 200 سنة.

هذا المغرب عهد السعديين بقيادة المنصور الذهبي رحمه الله هو الذي جعل إمبراطورية البرتغال التي كانت في أوج فتوحاتها واكتشافاتها الجغرافية أثراً بعد عين، في معركة وادي المخازن سنة 1578م، حيث تمّ قتل ملك البرتغال سبستيان الأول، وكان خاله هو ملك إسبانيا.

وحتى في التاريخ المعاصر لن ينسى الإسبان ما يسمّونه “كارثة أنوال” سنة 1921م، حينما أذلهم 3000 مقاوم ريفي مغربي فقط، وببنادق بسيطة بدائية، بقيادة المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي رحمه الله، حيث تمّت إهانة الجيش الإسباني المكوّن من ثلاثين ألف جندي، مدجّجين بالسلاح المتطوّر بمقاييس ذلك العصر، ومع ذلك تمّ إرغام أنفه في التراب وتلطيخ سمعته بوحل الهزيمة النكراء، وما هي إلا سويعات إلا وكان قائد الإسبان الجنرال سلفستر ينتحر، وجيشه يمزّق شرّ ممزّق، بين قتيل وجريح وأسير ومفقود.

إنّه المغرب الذي استعاد شماله وجنوبه من إسبانيا في مزيج من العنوة والاقتداراً (عمليات جيش التحرير بالجنوب)، المفاوضات والسياسة، والضغط المشوب بالترهيب (المسيرة الخضراء).

هذا الخطّ التراكمي الذي يخلق غصّة لدى ساسة إسبانيا، لأنه يذكّرهم بمن هم ومن نحن، يذكّرهم بأننا كنّا لمدّة 808 سنوات أسياداً على أرضهم، وهي مدّة تجعل للمغرب بصمة وراثية في إسبانيا، ولو قاموا بتحليل ADN لوجد الملايين منهم أنّ أصله مغربيا عربيا أو أمازيغيا، ومن هذا المنبر أدعو رئيس الوزراء الإسباني للتعجيل بهذا الإجراء لعلّه مغربي، لكنه مغربي عاقّ وجحود، مثل من استقبله خفية وهرّبه كما تفعل العصابات، أعني إبراهيم غالي المزداد بمراكش سنة 1949م، لكنه مغربي عاقّ خائن.

الجزائر الدولة المجاورة من جهة الشرق، كلّ جملة وكلّ سطر في تاريخ المغرب يذكّرها بأنها دولة بلا تاريخ، وعلى لسان محمد بوخرّوبة أو هواري بومدين، إذا أردنا أن نتفوّق على المغرب فلا بدّ من أن نتجاوز عقبة التاريخ، لا يا سيدي المغاربة لم و لن و لا ينسون تاريخهم، مصدر فخرهم، نعذركم لأنّه عندما كان المغرب إمبراطورية، كنتم مجرّد ولاية صغيرة في تلك الإمبراطورية، وكان حكّامكم مغاربة، ولسوء حظّكم أنكم لا تعرفون إلا في المقارنة مع المغرب، فشرقاً وغرباً يعرفون أنّ المغرب الدولة الوحيدة في شمال إفريقيا التي لم تخضع للعثمانيين، والعالم بأسره يعرف الكسكس المغربي والقفطان المغربي والشاي المغربي والحمّام المغربي وتقاليد العرس المغربية والملابس والأطباق وووو… الخ، فماذا يعرفون عن الجزائر؟ أغاني الراي؟ ومعظمها مسروق من تراث الركادة الوجدية والبركانية؟ أم رقصات الواي واي الخليعة؟ أم الأنانيش؟ بالله عليك يا سيد تبون (عذراً فالمصطلح خادش للحياء في المغرب)، هل لا تعلم أن الجزائر باتت ثاني دولة في الدعارة عالميا؟ هل لا تعلم أنّ ثلث شباب الجزائر مخنّث ومؤنّث باعتراف علماء دين جزائريين؟ هل لا تعلم أنّ الجزائر العاصمة لوحدها بها ثمانية آلاف بيت دعارة مرخّص؟ ماذا سيعرف العالم عنكم؟ لولا قربكم من المغرب ما عرف عنكم أحد شيئاً. ومرّة أخرى لا أخاطب الشعب الجزائري مطلقاً ولي صديقات جزائريات بعدد شعر رأسي، ولكن أقول للتاريخ، أوّل رئيس حكومة مؤقتة جزائرية فرحات عباس في كتابه (سيرته الذاتية) قال بالحرف لا يوجد شيء اسمه الأمّة الجزائرية ولا الثقافة الجزائرية، وكان أحمد بن بلّة أول رئيس في الجزائر هو ابن مدينة قلعة السراغنة المغربية، وكذلك بوتفليقة الوجدي، والمغرب للتاريخ لم يتمّ احتلاله إلا لأنّه ساند الأمير عبد القادر (الفاسي الأصل)، وفي ثورة التحرير، المغرب أعطى للجزائريين قواعد للانطلاق في شرق المغرب، وأعانهم بالمال والسلاح وحتى الرجال، وقطع السلطان محمد الخامس علاقاته بفرنسا من أجل عيون الجزائر ولم يرد التفاوض مع دوغول على الحدود الشرقية قبل انسحاب فرنسا، المغرب الذي كان بإمكانه في حرب الرمال 1963 التي اندلعت بين البلدين، أن يصل إلى وهران… وإلى الآن المغرب لا يعترف بحكومة “جمهورية القبائل” في المنفى برئاسة السيد فرحات مهني، مقابل ذلك الجزائر تؤوي عناصر منظمة يطالبون بانفصال جزء من المغرب.

أيضاً هذا الجزء من التاريخ والعراقة المغربيان يزعج حكّام الجزائر، ويصيبهم في مقتل، لأنّهم يستشعرون عظمة المغرب مقابل هزالة تاريخهم وتراثهم، الذي بلغ لحدّ سرقة كلّ شيء مغربي حتى المسلسلات، والأغاني وتقاليد الأعراس والمطبخ وووو… الخ

موريتانيا أو شنقيط والصحراء كانتا دوماً تحت سيادة المغرب، وإلى ما بعد استقلال المغرب جاء شيوخ موريتانيا لبيعة السلطان محمد الخامس، المغرب اضطرّ بسبب ظروف دولية معيّنة للتخلي عن موريتانيا، لكنه استردّ الصحراء، وهي الآن مغربية شاء من شاء وأبى من أبى.

تاريخ المغرب فرض على جيرانه دائماً النظر إليه نظرتهم إلى كبير القوم، وهذا يشعرهم بمفهوم المخالفة بضآلتهم وصغرهم، أمام هذا التاريخ العتيد والمجد التليد، لهذا لا يدّخر جيران المغرب فرصة ليحاولوا أن يثبتوا لأنفسهم أنّهم أحسن وأقوى وأعظم من البلد الذي كانوا دوماً بجانبه كرقم الصفر على الشمال، بدون قيمة.

نعم الجواب عن سؤال العنوان هو هذا، إنّ جيران المغرب يكرهون المغرب لأنّهم كان تاريخيا يحكمهم، وكانوا تاريخيا جزءاً لا يتجزّء من أراضيه، وكانوا جميعهم رعايا سلطان فاس ومراكش، عقدة التفوق المغربي تاريخيا، تطاردهم، وستبقى كذلك، لأنّ التاريخ لا يكذب، بل إنّ التاريخ بالعكس يعيد نفسه، وربّما تدور الأيام ويجد أحفاد أحفادهم أنفسهم رعايا ملك المغرب من جديد، من يدري؟

دكتور في علم الاجتماع السياسي والديني*

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. الجزائر لم تكن أبدا تابعة للمغرب أعد دراسة التاريخ وخريطة العالم حيث كان المغرب العربي كله كيان واحد لا وجود لحدود معينة حيث كانت شعوب المغرب العربي عبارة عن قبائل تسير وتهاجر وتتاجر……….المغرب كانت له أراضيه ومنها من تنازل عنها نظرا لتمسك ملوكه وخوفهم على فقدان العرش من طرف الفرنسيين أو الإسبا وغيرهم ………فالتحليل الذي تتحدث عنه دليل على عقدتكم أنتم وفشلكم فلو نظرنا إلى حضارات قديمة حكمت العالم كحضارت الفرس والروم والبزنطيين والجرمان وشعوب الإنكا في أمريكا الالتينية “ليست حضارة الكسكس والقفطان iiiiii لطالبة حاليا هذه الحضارات الدول الأخرى بإستعادة أراضيها القديمة وهذا لن يكون ولم يكن ..فالحضارات تذهب وتجيأ و تصعد حضارات ودول جديدة

  2. سيدي الدكتور, نحبكم في الله , ومن الجزائر نتابع كتابتكم الرائعة . جميل ما ذكرتم من التاريخ المشرف لامة محمد صلى الله عليه وسلم ,لكن ارجو الا يجركم التوتر السياسي بين العواصم والحكام في الوقوع في اعراض الشعب المغلوب على امره. فوالله, لم توفق حين قلتم “هل لا تعلم أن الجزائر باتت ثاني دولة في الدعارة عالميا؟ هل لا تعلم أنّ ثلث شباب الجزائر مخنّث ومؤنّث باعتراف علماء دين جزائريين؟ هل لا تعلم أنّ الجزائر العاصمة لوحدها بها ثمانية آلاف بيت دعارة مرخّص؟”
    والله كلامكم بهذه الارقام قذف غير صحيح واعلم سيدي انه لا يخلو بلد من هذه القاذورات. فالله الله الله في الاعراض. ستكتب شهادتهم ويسئلون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى