
السفير 24 – بقلم: عزيز لعويسي
بين من استبشر خيرا في الوزير الجديد على قطاع التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، في أن يدفـــــــــــــع في اتجاه إعادة الاعتبار لنساء ورجال التعليم، بالنهوض بأوضاعهم المادية والاجتماعية والمهنية، ومن سارع إلى وضع طنجرة الاحتقان على نار متأججة لإسماع الصوت دفاعا عن الحقوق والمطالب، ومن استعجل الدخول في مرحلة إحماء، استعدادا لمعركة نضالية حامية الوطيس، حتى قبل أن يستأنس الوزير الجديد بالمكتب والكرسي والبريستيج الوزاري، ويفهم الملفات قيد الانتظار و القضايا التي تقتضي الاستعجال، ويفهم معها حجم المطالب ودرجة الانتظار ات، بل وحتى قبل أن تستكمل الحكومة حلقات عقدها الدســـتوري، بالحصول على التنصيب البرلماني.
صور ومشاهد مقلقة، هي مرآة عاكسة لواقع اليأس وحالة السخط المستشرية في قطاع استراتيجي، تحول فيه الفعل الاحتجاجي إلى ما يشبه قاعدة جليد صلبة، لا أحد من الوزراء المتعاقبيــن، نجح في تذويبها، حتى في زمن اللحظات الصعبة والحرجة، كما حدث في الحراك التعليمي غير المسبوق، الذي عجل بإقرار نظام أساسي جديد، حمل معه مكتسبات غير مسبوقـة، لكن الكثير من مقتضياته ظلت معلقة الى أجل غير مسمى، واستعجل الدخول الاضطراري في حوار اجتماعي قطاعي، أثمر اتفاقات وتعهدات، لم يتم الوفاء بها بالكثير منها، في عهد الوزير المنتهية ولايته برادة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، التقليص من ساعات العمل، ونظام الترقي والتعويض والتحفيز، بما في ذلك، ملف التعليم الأولي، الذي لازال الفاعلون فيه، يناضلون بحثا عن إدماج حقيقي وفعلي، تتحقق معه أهداف الاستقرار المهني ومقاصد التقدير والاعتبار…
الوزير الجديد محمد نبيل بنعبدالله، بـــدون شك، تجاوز دهشة البدايات، وهو يتأمل كرة الاحتقان التي دحرجت أمام مقر البرلمان، بين أقدام لاعبات ولاعبي التعليم الأولي، وبات يستشعر ثقل الأمانة وجسامة المسؤولية الملقاة عليه، في قطــــــاع حيوي “الكل فيه يغلي” و”الكل فيه يغني على ليلاه”، نتيجة عقود من الزمن، ميزتها الإصلاحات المرتبكة الفاقدة لأدنى شروط الواقعية والتبصر، وطبعها مسار طويل من التهميش، طال نساء ورجال التعليم، كـــرس طبقات مترسبة من المشاكل والآهات والانتظارات، تحولت اليوم، إلى ما يشبــه” بؤر توتر” عابرة لحدود الأســلاك، من التعليم الأولي إلى التعليم الثانوي التأهيلي، آخذة في التمدد والانتشـــار، ما يجعلها مهددة للسلم الاجتماعي، ومربكة للزمن المدرسي، ومعطلة لأي مسعى إصلاحي، يــروم وضع المدرسة العمومية بشكل ناجــع، على سكة التحول والتغيير، ما لم يتم التعاطي معها، بما تستحقه اللحظة من جدية ومسؤولية، ومن حلول مبدعة ومبتكرة، تتحقق معها ما تتطلع إليه الشغيلة التعليمية بكل فئاتها، من اعتبار وإنصاف وتحفيز وتقدير.
بالرجوع إلى البرنامج الحكومي المقدم أمام مجلسي البرلمان، لم يحمل في شقـــه المرتبط بالتربية والتكوين، أية التزامات صريحة، عاكسة لنبض وانتظارات وتطلعات الشارع التعليمي، عـــدا تعهدات عامة وفضفاضة، لم تقو فقط، الإحساس بخيبة الأمل وفقدان الثقـة في أوساط الشغيلة التعليمية، بل ودفعت بعض الفئات إلى “تسخين الطرح” مبكرا، بالنزول إلى العاصمة الرباط مثنى وثلاث ورباع…، وممارسـة طقــــوس الاحتقان أمام قبــة البرلمان، كما فعل مربيات ومربو التعليم الأولي، وكما حدث ويحدث على المستويات الجهوية والإقليمية. وفي ظل هذه الأجـــواء المكهربة، تشد الأنظـــــــار نحو الوزير الجديد الوصي على القطاع محمد نبيل بنعبدالله ومن خلاله الفريق الحكومي برمته، من أجل التعاطي الجدي والمســـؤول، مع ما يجري في الوسط التعليمي من مظاهر الاحتجاج والاحتقان، ومن مشاهد القلق والتوجس والترقب، واستشعار ما لهذا الوضع المقلق، من آثار متعددة الزوايا على السلم الاجتماعي، وعلى صــورة المدرسة العمومية، التي لم يعد بيتها يسر الناظرين والزائرين والعابرين.
ما تم تسجيله في عدد من المدن من تعابير احتجاجية سلمية، دفاعا عن الحقوق والمطالب، في لحظة لازالت الحكومة الجديدة لم تستكمل بعد تشكيلها الدستــــوري، هو جرس إنــذار مبكر، يقتضي مقاربة إصلاحيـــة شمولية، مدعومـــة بإرادة سياسية حقيقية، مدركـة أن الإصلاح ومهما بلـــغ من القوة والمتانة، فلن يستقيــم عوده، إلا بشغيلة تعليمية، تتمتع بأوضـــــاع مادية ومهنية واجتماعية ونفسية لائقـــة ومحفزة ومعتبــرة، وبظــروف عمل لائقـة، دافعة نحو الخلق والإبـــداع والابتكار. وفي خاتمة المقال، لا يمكن إلا توجيــه البوصلة نحو الوزير الوصي على القطـــاع والأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، ونأمل أن يكــــــــون الرجل، بخبرته السياسية وحسه التواصلي، في مستوى تطلعات وانتظارات نساء ورجال التعليم بكل فئاتهم، انسجاما مــع ما صرح به في أكثر من مناسبة، من التزامات وتعهدات، كما نأمل أن يكـــون خير مدافع ومرافـــــع عن الشغيلة التعليمية وأحقيتها في الاعتبار والتحفيز والتثمين، وهذا ليس بعزيز على أسرة تعليمية، بها تبنى الأمم وبها ترتقي الشعوب …



