
السفير 24 ذ. عبد الحق غريب
تم خلال الأيام الأخيرة تداول وثائق يقال إنها تتعلق بمحاضر مداولات ونتائج برسم السنة الجامعية 2023-2024 بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بعين السبع، من بينها وثائق تخص نتائج دبلوم سلك الإجازة من الفصل الأول إلى الفصل السادس، إلى جانب معطيات ووثائق أخرى مرتبطة بالمسارات الأكاديمية لعدد من الطلبة.
وإذا كانت صحة هذه الوثائق وما تتضمنه من معطيات تبقى، إلى حدود الساعة، رهينة بتحقق رسمي من الجهات المختصة، فإن مضمونها، في حال ثبوت صحته، يثير جملة من التساؤلات المشروعة التي تستحق أجوبة واضحة ودقيقة حفاظا على مصداقية المؤسسة الجامعية وصورة التعليم العالي العمومي. ومن بين أبرز هذه التساؤلات، ما إذا كانت بعض الحالات الواردة في الوثائق تفيد تسجيل طلبة في الفصلين الخامس والسادس دون استيفاء الشروط البيداغوجية المعمول بها، وما إذا كان بالإمكان قانونا وأكاديميا الحصول على شهادة الإجازة خلال الموسم الجامعي 2024-2025 دون استكمال الحد الأدنى من الفصول المطلوبة عند نهاية الموسم الجامعي 2023-2024.
كما تطرح المعطيات المتداولة علامات استفهام إضافية بشأن مدى صحة تسجيل بعض الطلبة في عدد كبير من الوحدات الدراسية خلال سنة جامعية واحدة، قد يصل وفق ما يتم تداوله إلى 17 أو 18 وحدة، ومدى انسجام ذلك مع الضوابط البيداغوجية والتنظيمية المؤطرة لمسارات الإجازة. وتزداد هذه التساؤلات حدة عندما تقترن هذه الحالات، وفق ما يروج، بالحصول على شهادة الإجازة في نهاية السنة نفسها، الأمر الذي يستدعي توضيحات رسمية تنهي الجدل وتضع الرأي العام الجامعي أمام الحقيقة كاملة.
غير أنه تجدر الإشارة إلى أن الحالات المتعلقة بانتقال الطلبة من مؤسسة جامعية إلى أخرى أو من كلية إلى كلية، إذا كانت قد تمت وفق المساطر القانونية والبيداغوجية المعمول بها وبموجب قرارات إدارية نظامية، فإنها لا تطرح في حد ذاتها أي إشكال، باعتبار أن نظام التعليم العالي يتيح إمكانية الانتقال بين المؤسسات الجامعية وفق شروط وضوابط محددة. لذلك فإن التساؤلات المثارة لا تتعلق بمبدأ الانتقال في حد ذاته، وإنما بمدى احترام المسارات الأكاديمية والشروط البيداغوجية والقانونية المؤطرة للتسجيل واجتياز الوحدات والحصول على الشهادات الجامعية.
وتتعلق نقطة أخرى بالدورة الاستثنائية التي قيل إن حوالي 400 طالب وطالبة استفادوا منها، حيث تثار تساؤلات حول الأساس القانوني والتنظيمي الذي تم الاعتماد عليه لإحداث هذه الدورة، وكيفية تحديد المستفيدين منها، وما إذا كانوا قد استوفوا جميع الشروط الأكاديمية المطلوبة، فضلا عن المساطر التي تم اعتمادها في تنظيم الامتحانات وإجراء المداولات وإدراج النتائج بالنظام المعلوماتي “أبوجي”، ومدى احترام مختلف المقتضيات القانونية والبيداغوجية في جميع مراحل العملية. كما يطرح التساؤل نفسه بشأن الأسماء الواردة ضمن لوائح المدعوين لإيداع ملفات الترشيح القبلي لسلك الماستر برسم الموسم الجامعي 2025-2026، وما إذا كانت تستوفي فعلا جميع الشروط الأكاديمية اللازمة لنيل شهادة الإجازة.
وبعيدا عن أي أحكام مسبقة أو استنتاجات متسرعة، فإن مجرد تداول هذه الوثائق يفرض نقاشا مسؤولا هدفه حماية سمعة الكلية والجامعة والشهادات الوطنية، والبحث عن الحقيقة كاملة. فإذا ثبت أن الوثائق مزورة أو تتضمن معطيات غير صحيحة، فإن ذلك يقتضي فتح تحقيق لتحديد مصدرها والجهات التي تقف وراء تسريبها وترويجها. أما إذا تأكدت صحة ما تتضمنه من معطيات، فإن الأمر يقتضي، بحسب متابعين للشأن الجامعي، فتح تحقيق وتدقيق شاملين لا يقتصران على الوقائع المثارة فحسب، بل يمتدان إلى مختلف العمليات المرتبطة بتدبير الامتحانات والنتائج والتسجيلات والمسارات الأكاديمية بالكلية، على الأقل منذ سنة 2021، من أجل تحديد المسؤوليات والكشف عن حجم الاختلالات المحتملة وآثارها على مصداقية الشهادات الجامعية.
بل إن نطاق البحث، في حال ثبوت صحة المعطيات المتداولة، ينبغي أن يشمل مدى سلامة العمليات المرتبطة باستعمال النظام المعلوماتي “أبوجي”، وكيفية إدراج النتائج والتسجيلات والمسارات الدراسية، وذلك ضمانا للشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع الطلبة واحتراما لمبدأ المساواة أمام القواعد البيداغوجية المعمول بها.
وتزداد أهمية هذا المطلب في ظل تزامن تداول هذه الوثائق مع انتشار رسالة على مواقع التواصل الاجتماعي تتضمن ادعاءات خطيرة بشأن اختلالات مفترضة في تدبير بعض المسارات البيداغوجية واستعمال النظام المعلوماتي “أبوجي”، وهي ادعاءات تحتاج بدورها إلى تدقيق رسمي يضع حدا لكل التأويلات.
وتبقى هذه المعطيات والأسئلة، إلى حدود الساعة، في حاجة إلى تحقق رسمي من الجهات المختصة. غير أن حجم التساؤلات المطروحة وطبيعة المعطيات المتداولة يجعلان من الضروري تقديم توضيحات مؤسساتية للرأي العام الجامعي وللطلبة وأسرهم، حفاظا على الثقة في الجامعة العمومية ومصداقية الشهادات التي تصدر عنها.
وأمام خطورة ما يتم تداوله، وما يرافقه من تساؤلات تمس مصداقية المسارات الأكاديمية والشهادات الجامعية، يبقى السؤال موجها إلى وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، عز الدين ميداوي: هل ستبادر الوزارة إلى فتح تحقيق إداري وتقني مستقل لكشف حقيقة هذه الوثائق والمعطيات المتداولة، وترتيب المسؤوليات إن ثبتت الاختلالات، أم أن الرأي العام سيظل ينتظر توضيحات رسمية تضع حدا للجدل المتصاعد حول هذا الملف؟
كما تتجه الأنظار إلى عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بعين السبع، الذي التحق حديثا بتدبير المؤسسة ويشهد له عدد من الفاعلين الجامعيين بالنزاهة والكفاءة والصرامة في احترام القوانين والمساطر، من أجل المساهمة في كشف حقيقة ما يتم تداوله وتقديم التوضيحات اللازمة للرأي العام الجامعي، بما يحفظ سمعة المؤسسة ويعزز الثقة في الشهادات الصادرة عنها.
وفي إطار احترام أخلاقيات المهنة الصحفية وقواعد التوازن والإنصاف، فإن باب حق الرد والتوضيح يظل مفتوحا أمام عمادة الكلية ورئاسة الجامعة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، وكافة الأطراف المعنية بهذا الملف، من أجل تقديم ما تراه مناسبا من معطيات أو وثائق أو توضيحات من شأنها تنوير الرأي العام ووضع حد لأي لبس أو تأويل محتمل، وذلك احتراما لمبدأ الاستماع إلى مختلف وجهات النظر ولقرينة البراءة إلى حين استكمال أي بحث أو تحقيق رسمي في الموضوع.



