في الواجهةكتاب السفير

الضامن لا يخاصم

الضامن لا يخاصم

le patrice

السفير 24 – ذ. عبد الفتاح العقيلي

حين يساء فهم الحياد، ويفتعل التضاد بين السند الروحي والمرجعية الراعية له، ويحاسب المطبق عما ليس من تقديره

نشرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في الآونة الأخيرة، على إحدى صفحاتها الرسمية مادة تعريفية بالطريقة القادرية البودشيشية وبشيوخها المعترف بهم في تاريخها ومؤسساتها، أوردت فيها ما استقر عليه أمر المشيخة: أن سيدي مولاي معاذ القادري بودشيش هو شيخها الحالي إثر وفاة والده الشيخ مولاي جمال الدين القادري بودشيش رحمه الله. فما كان من بعض المتابعين إلا أن اعتبروا ذلك انحيازا للوزارة في الخلاف الدائر حول المشيخة، وطالبوا بفتح تحقيق في ما وصفوه بتدخل جهة رسمية كان ينبغي لها أن تلتزم الحياد.

غير أن هذا الاتهام يثير، قبل مناقشة نتائجه، سؤالين تأسيسيين لا بد من الجواب عنهما: هل وزارة الأوقاف أصيلة في هذا الملف حتى يطلب منها الحياد، أم هي نائبة فيه عن مرجعية أعلى منها هي صاحبة الرعاية؟ وهل الشرعية الروحية للطريقة قائمة بمعزل عن النظام الديني الذي تحميه المرجعية العليا للبلاد وترعى مؤسساته؟

إن جوهر الإشكال لا يكمن في المقال المنشور ولا في موقف الوزارة في ذاته، وإنما في التصور الذي يستند إليه الاتهام؛ إذ يفترض وجود تعارض بين المؤسسة الدينية للدولة وبين المرجعية الشرعية التي تنتظم في إطارها الطرق الصوفية بالمغرب. ومن ثم فإن فحص هذا الاتهام يقتضي أولا فحص مقدمته نفسها: هل نحن أمام جهة مطالبة بالحياد بين أطراف متنازعة، أم أمام جهة تنفيذية تطبق ما تقتضيه رعاية الثوابت الدينية وصيانة الأطر الشرعية، صادرة في ذلك عن مرجعيتها العليا لا عن تقديرها الخاص؟

حياد في غير موضعه

إن وزارة الأوقاف في تدبير الشأن الديني لا تنشئ مرجعية من عندها، ولا تبتدع شرعية من ذاتها، وإنما تمارس اختصاصاتها في إطار المرجعية العليا التي أناط بها الدستور والتاريخ إمارة المؤمنين، وجعلها الراعي الأول للحقل الديني والحارس لوحدته وثوابته.

ومن ثم فإن الحديث عن «حياد» الوزارة في مثل هذه القضايا ينطوي على خلط في التصور؛ فالحياد يطلب ممن يقف بين أطراف متنازعة، أما المرجعية العليا فليست طرفا في نزاع، بل هي المرجع الضامن الذي يحفظ الشرعيات الدينية وتنتظم في ظله المؤسسات الروحية. ولذلك فإن مطالبة الوزارة بالحياد إنما هي في حقيقتها مطالبة لمن تنوب عنه؛ أي مطالبة للضامن أن يتخلى عن صون الثوابت واستقرار الحقل الديني، وللراعي أن يتنصل من حفظ نظامه.

الوزير يطبق لا يقرر

على أن في الأمر ما هو أدق من مسألة الحياد. فالوزارة في هذا كله لا تقرر وإنما تنفذ، ولا تنصب مرجعية وإنما تأتمر بها؛ فموقع الوزير موقع المطبق لا المنشئ، والمبلغ لا المبتدئ. فالوزارة لا تنشئ مشيخة ولا تسبغ على أحد صفة الشيخ، وإنما تتعامل مع ما استقر أمره بوصفه واقعا ثابتا سابقا لتدوينها، مرجعه أعلى من تقديرها الإداري. ومن أدرك هذا أدرك أن خصومة تساق إلى الوزير في هذا الباب خصومة في غير محلها؛ لأنها إن مضت إلى منتهاها لم تقف عنده، بل تجاوزته إلى ما هو أعلى منه. وهناك لا تجد الخصومة موضعا تثبت فيه، إذ تكون قد طاولت أصل الرعاية الذي ينعقد به نظام الحقل الديني كله، وارتفعت إلى حيث لا مجال فيه للمنازعة.

فمن خاصم المطبق إنما يطلب في حقيقة أمره مراجعة ما هو فوق التطبيق؛ وتلك دعوى لا يقوم لها في النموذج المغربي ساق. ولا يحسن صاحبها صنعا حين يحسب أنه ينازع تدبيرا إداريا، وهو في الحقيقة ينازع أصلا لا ينازع. وأحرى بمن غار على الحياد أن يعرف أين يقف المقرر وأين يقف المنفذ، فلا يحمل الثاني تبعة ما ليس من تقديره.

السند لا يخاصم الضامن

وأقوى ما يتعلق به المقال قوله إن الزوايا تستمد مشروعيتها من تاريخها وسندها وتوافق مريديها. وهو حق لا يماري فيه أحد؛ لكنه ليس حجة على المرجعية الراعية، بل هو حجة لها. فإن الجهة الراعية لم تكن يوما خصما للسند الروحي، بل كانت على امتداد التاريخ المغربي حارسته والساهرة على صفائه. وما ظهائر التوقير والاحترام التي خص بها سلاطين المغرب الزوايا عبر القرون، وما كان للطرق من موقع في عقد البيعة وصونها، إلا شاهد على أن هذه الرعاية للسند أصل متجذر لا أمر طارئ.

فالنموذج المغربي ما فرق قط بين سند أهل الطريق والرعاية التي تحوطه، بل نسجهما نسيجا واحدا. ومن رفع «الشرعية الروحية الداخلية» في وجه الضامن فقد مزق ما كان ملتئما، وافتعل تضادا بين الحارس والمحروس. والسند الحي يحيا في كنف الضمانة لا في خصومتها، ويزداد بها حفظا وصيانة.

الولاية حال لا دعوى

وأصل ذلك كله أمانة تؤدى إلى أهلها. فالولاية في الطريق حال يشهد لا دعوى ترفع، والمشيخة تكليف يحمل بالإذن والقبول، لا يساس بالبيانات والحملات. وتوافق القلوب حق، لكنه يعرف بنوره لا بالضجيج، ويلتمس في موضعه لا في صفحات الجرائد. فمن صدق في طلب الحق التمسه حيث هو، لا في حملة تلبس الخصومة لبوس الغيرة على الحياد.

السكوت من أدب أهل الأمانات

ثم يعيب المقال على الوزارة صمتها، وكأن الصمت في ذاته إقرار بالخطأ. والصمت أمام التشكيك المغرض ليس عجزا ولا اعترافا، بل هو من وقار من يدبر أمانة عامة فلا ينزل بها إلى حلبة السجال، ولا يجعل من المنابر ساحة للرد والأخذ. ثم إن تحريك الشكوك وإثارتها عبر الصحف لا يليق بقضية روحية كهذه؛ فمثلها يصان بالتثبت وحفظ الحرمات، لايدفع به إلى ضجيج المنابر. فمن جعل سكوت الإدارة دليلا عليها فقد سبق الحكم على نيتها؛ وذلك هو الانحياز بعينه، لا حيث ادعاه.

حياة الطريقة لا تختصر في خصومة

وأما أن يشار إلى ما تعرفه الطريقة من نشاط روحي بوصفه «نشاطا متنازعا حوله»، فاختزال لحياة قائمة في خصومة مفتعلة. فإن افتتاح زوايا جديدة في فاس ومكناس والرباط وطنجة وتطوان، وانتظام مجالس الذكر والسماع فيها، إشعاع ودين معاش، يجري تحت إشراف شيخ الطريقة سيدي مولاي معاذ القادري بودشيش، وفي إطار الثوابت الدينية للمملكة. وما هكذا يوصف الحي النابض بأنه متنازع عليه؛ فالحياة تقاس بالقلوب التي تعمر بالذكر، لا بالبيانات التي تكتب لتحرك السواكن.

في الختام

إن الغيرة على الحياد، حين توجه إلى الجهة التي تضمن لا إلى التي تخاصم، تنقلب إلى ضدها. والطريق أمانة تحمل أو تخان، لا قضية يترافع فيها على صفحات الجرائد. فمن أراد بالطريقة خيرا لزم باب الأدب، والثقة في حكمة أمير المؤمنين، الراعي الأول لهذا الحقل وحاميه.

وإنا لنتساءل: إلام المضي في طريق لا أفق له؟ وحتام يحمل المريدون الصادقون على مسلك لا يزيدهم إلا بعدا عن جماعة إخوانهم؟ ولعل أدعى ما في الأمر إلى الأسى، أن يكون هذا الإصرار قائما على ظن أن ما يبذل من جهد يعيد عقارب الساعة إلى الوراء . وليس في التمادي إلا مزيد فرقة وإطالة قطيعة لا طائل تحتها. فحري بمن صدقت محبته للطريق أن يؤثر العود إلى سعتها على الإمعان في مسلك لا يفضي إلا إلى السراب.

والله يتولى السرائر، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى