في الواجهةكتاب السفير

“فكر الحموشي.. الثورة التى بدأت من عقلية الشرطي و انتهت بمؤسسة حديثة شكلا و مضمونا “

"فكر الحموشي.. الثورة التى بدأت من عقلية الشرطي و انتهت بمؤسسة حديثة شكلا و مضمونا "

le patrice

السفير 24 – هشام بلحسين

عندما يُكتب تاريخ التحولات الكبرى داخل المؤسسات، فإن الحديث لا يكون عادة عن المباني الشاهقة أو التجهيزات الحديثة بقدر ما يكون عن الأفكار التي غيّرت العقليات وأعادت صياغة طرق العمل. وهذا بالضبط ما يمكن ملاحظته في مسار المديرية العامة للأمن الوطني خلال السنوات الأخيرة.

فمنذ تولي عبد اللطيف الحموشي مسؤولية الإدارة العامة للأمن الوطني، لم يكن الرهان الأول هو بناء المقرات أو تحديث الواجهات، بل كان الرهان الحقيقي هو بناء الإنسان الأمني. ومن هنا ظهر ما يمكن تسميته بـ”فكر الحموشي”، وهو تصور يقوم على أن رجل الأمن ليس مجرد منفذ للقانون، بل هو واجهة للدولة وخادم للمواطن وحامل لقيم المؤسسة.

هذا الفكر ساهم في إحداث تحول تدريجي داخل العقلية المهنية لرجل الأمن، حيث انتقل من صورة الشرطي الذي يفرض القانون فقط إلى رجل أمن يجمع بين الحزم واحترام الحقوق، وبين تطبيق القانون وخدمة المواطن. فأصبح القرب من المواطن والإنصات إليه والتعامل معه باحترام جزءاً من الثقافة المهنية الجديدة التي تم ترسيخها داخل الجهاز الأمني.

لقد أعاد فكر الحموشي تعريف العلاقة بين رجل الأمن والمجتمع، وجعل من القانون المرجعية العليا التي يخضع لها الجميع دون استثناء. وأصبح من المألوف مشاهدة رجال ونساء الأمن وهم يقدمون المساعدة الإنسانية للمواطنين، ويسهرون على راحتهم، ويتعاملون مع مختلف الوضعيات بروح مهنية عالية، في مشاهد تعكس بوضوح حجم التحول الذي عرفته المؤسسة الأمنية.

كما لم يقتصر هذا الفكر على الجانب السلوكي فقط، بل شمل تحديث أساليب العمل والتكوين المستمر والرقمنة وتطوير الوسائل التقنية، إلى جانب تحسين الأوضاع الاجتماعية لموظفي الأمن. فالاستثمار في رجل الأمن كان جزءاً من رؤية شاملة تؤمن بأن الموظف المستقر مهنياً واجتماعياً يكون أكثر قدرة على أداء واجبه وخدمة وطنه.

وفي الوقت الذي كانت فيه المؤسسة الأمنية تشهد تحديثاً كبيراً على مستوى البنيات والتجهيزات والمقرات، ظل العنصر البشري في صلب المشروع الإصلاحي. لأن فكر الحموشي انطلق من قناعة واضحة مفادها أن المباني مهما بلغت فخامتها لا تصنع مؤسسة قوية، وإنما يصنعها رجال ونساء يحملون الكفاءة والانضباط وروح المسؤولية.

كما أن هذا التحول لم يقتصر على الفكر والممارسة المهنية فقط، بل انعكس أيضاً على صورة المؤسسة وبنيتها. فالمقرات الأمنية الحديثة التي أصبحت اليوم عنواناً للمديرية العامة للأمن الوطني لم تأتِ بمعزل عن مشروع الإصلاح، بل جاءت امتداداً طبيعياً له.

لذلك يمكن القول إن شكل المديرية العامة للأمن الوطني أصبح يشبه مضمونها؛ حداثة في البنية، واحترافية في الأداء، وانفتاحاً على المواطن، وتطوراً في أساليب العمل. فحين نجح فكر الحموشي في بناء رجل الأمن وتطوير عقليته المهنية وترسيخ قيم الانضباط وخدمة المواطن، أصبح من الطبيعي أن يواكب ذلك تحديث المؤسسة في شكلها الخارجي أيضاً، ليعكس البناء المادي ما تحقق من بناء بشري ومؤسساتي على أرض الواقع.

واليوم، عندما يتأمل المواطن حجم التطور الذي عرفته المديرية العامة للأمن الوطني، فإن الصورة تتجاوز الحجر والإسمنت والتجهيزات الحديثة. فالبناء الحقيقي بدأ قبل ذلك بكثير، يوم اختارت المؤسسة أن تستثمر في الإنسان أولاً، وأن تجعل من الشرطي محوراً لأي مشروع إصلاحي.

وبالتالي، جاء الشكل الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني انعكاساً طبيعياً للمضمون الذي تم بناؤه على مدى سنوات. فكما تغيّرت عقلية رجل الأمن وتطورت أساليب العمل وترسخت قيم القرب من المواطن واحترام القانون، كان من الطبيعي أن تواكب البنية والمؤسسات هذا التحول. فأصبح الشكل يعكس المضمون، وأصبحت المقرات الحديثة تجسد فلسفة جديدة قوامها الكفاءة والاحترافية والحداثة. وهي رسالة واضحة مفادها أن البناء الحقيقي يبدأ بالإنسان أولاً، وعندما ينجح المشروع في بناء الإنسان، يصبح كل ما يُشيّد بعد ذلك مجرد ترجمة مادية لفكر ورؤية سبق أن ترسخا على أرض الواقع.

إنها فلسفة مؤسساتية أثبتت نجاعتها مع مرور السنوات: بناء الشرطي قبل بناء البنيان، لأن المؤسسات العظيمة لا تُبنى بالجدران وحدها، بل تُبنى بالفكر والرؤية والرجال والنساء الذين يؤمنون برسالتها. ولعل أبرز ما يميز هذه التجربة هو أن فكر الحموشي لم يغيّر فقط ملامح المؤسسة الأمنية، بل ساهم أيضاً في تغيير عقلية رجل الأمن، وجعل منه شريكاً في خدمة المواطن وحماية الوطن وترسيخ دولة القانون. وهكذا أصبح الشكل الجديد للمديرية العامة للأمن الوطني يعكس حقيقة ما جرى داخلها من تحول عميق؛ فخامة في البنيان توازيها حداثة في الفكر، ومؤسسة متطورة في مظهرها بقدر ما هي متطورة في مضمونها.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى