كتاب السفيرفي الواجهة

كلام في السياسة

كلام في السياسة

le patrice

السفير 24 – بقلم: عزيز لعويسي

أينما حل وارتحل، إلا وبشر بن كيران، الموالين والمريدين والمتعاطفين والمترددين والمشككين، بإسقاط الساعة الإضافية، وحل مشكل تسقيف سن التوظيف، وإعادة النظر في المؤشر الاجتماعي الذي بموجبه، يمنح الدعم الاجتماعي البئيس للفقراء والمعوزين.. وعود انتخابوية سابقة لأوانها، قد يصفها البعض بالمعسولة في سنة انتخابية تتطلع فيها الأحزاب السياسية مجتمعة، إلى النصر العظيم والفتح المبين، وقد ينعتها البعض الآخر بصكوك الغفران، في زمن سياسي بلغ من العقم عثيا، يرفع فيه اليائسون والقانطون من بيت السياسة، فيتو “ليس في القنافذ أملس” و”ولاد عبدالواحد واحد”؛

لم يكتف الرجل بالترويج لثالوثه المعسول، الذي ربما تفوق عن معسول العلامة محمد المختار السوسي، في رحلة البحث عن العودة المجددة والمظفرة للكرسي الحكومي الضائع في لحظة انتصار وانبهار، بل ومنح المريدين والأتباع والعاشقين، “قرطاسة” طالبا منهم إصابة الهدف في حقل رماية استحقاقات شتنبر القادم، وهي القرطاسة المصيرية التي وضعها بين أيادي العمال في مهرجان خطابي بمناسبة فاتح ماي، قائلا بشعبويته المعهودة ” وخا تصفقو مائة ألف عام .. التصفيقات ديالكم لا تساوي شيئا، عندكم قرطاسة واحدة، هي نهار 23 شتنبر ، خصكم تجيبوها في الهدف الحقيقي”؛

قرطاسة” بن كيران .. قد يرى فيها البعض، لحظة شعبوية حماسية، تختزل رغبة أو شهوة جامحة في العودة المجددة إلى الكرسي الحكومي، عودة المنتصرين والفاتحين، وقد يرى فيها البعض الآخر ، مفردة تزكي ما  سبق أن جادت به قريحته السياسية، من مفاهيم سياسية عصية على الفهم والإدراك، قادمة من عالم الحيوان، ربما تفوقت على “كليلة” و”دمنة” عبدالله ابن المقفع، من قبيل العفاريت و التماسيح والحمير والبغال وما فوقها وما تحتها، والكلاب والحشرات وحتى الميكروبات، إضافة إلى “السلكوط” و”المركوعين” و”الصكع” و”بوشطابة” …؛

وفي هذا الصدد، ومهما اختلفنا في الرؤى والتوصيفات،  فالثابت أن ما صدر عن زعيم المصباح، يعكس الوجه المأسوف عليه للحياة السياسية التي باتت أسفل سافلين، وللأحزاب السياسية التي تحول جلها إلى دكاكين سياسية، لا تفتح أبوابها، أو على الأقل لا تنشط،  إلا في مواسم الانتخابات، مساهمة بأنانيتها و مصلحتها وانعدام مسؤوليتها السياسية، في تمييع العمل السياسي، و تكريس الإحساس الفردي والجماعي بفقدان الثقة في الفاعل السياسي، الذي حول السياسة إلى ما يشبه بائعة الهوى، التي لا تصلح إلا لتلبية الرغبات الحقيرة والمكبوتات الوضيعة، في غياب آليات حقيقية لربط المسؤولية بالمحاسبة، قادرة على كبح جماح المرضى من المفسدين والأنانيين ومنعدمي الضمير الذين يعبثون بجسد الوطن، بدون خجل أو حياء؛

في زمن الرداءة السياسية، وأمام تقلص مساحة الزعماء والقادة السياسيين ورجالات الدولة الحقيقيين في أوساط الأحزاب السياسية، تختفي البرامج السياسية، التي يفترض أن تكون قاعدة متينة للتباري الحر والنزيه بين الأحزاب السياسية في السباق الانتخابي، وتغيب الحلول والبدائل التي من شأنها إعادة الثقة للمواطنين، في الديمقراطية والانتخابات والحكومة والبرلمان، وتعيد لهم الأمل في انتخابات قادرة على تغيير واقعهم ومستقبلهم نحو الأفضل؛

في مشهد سياسي مقلق، لم يعد للأحزاب السياسية العقيمة، ما تقدم للمواطنين في سنة انتخابية، وفي سياق سوسيو اقتصادي، مطبوع بارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة، وموسوم بفقدان الثقة في الأداء الحكومي والحزبي، ولا إمكانية لها لإقناع اليائسين من الحكومات المتعاقبة، بعدما اختبروا اليمين وجربوا اليسار، وامتحنوا الإسلام السياسي، واقتنعوا تمام الاقتناع أن قنافد السياسة ليس فيها أملس، إلا من اتقى الله والملك والوطن، وأن لا أمل في انتخابات، تعيد إنتاج نفس السلوك السياسي المنحط، وبذات الوجوه السياسية البشعة؛

في واقع سياسي عديم الهوية، لا نستغرب أن يستنجد بن كيران بالقرطاسة التي تزن ذهبا، لإسقاط الخصوم، في رحلة البحث عن إصابة الهدف المنشود في استحقاقات شتنبر المقبل، وليس أمام الرجل من خطط ومشاريع وبدائل، في مجتمع انتخابي يائس، يرفع ألوية الرفض والعزوف، بعدما تعب من السياسات العمومية اللاشعبية المتعاقبة، إلا إحداث “البوز السياسي” والهجوم العشوائي على الخصوم السياسيين، وحشد همم المريدين والمحبين والمتعاطفين، واستمالة عواطف الفقراء والغلابى والمقهورين، وإشهار ورقة التطبيع  والركوب على موجة الصراع الشرق أوسطي…

“قرطاسة بن كيران” هي مرآة عاكسة، لأحزاب سياسية، تتحمل بمستويات ودرجات مختلفة، ما  آل إليه المشهد السياسي من ضعف ووهن، وما وصل إليه الخطاب والسلوك السياسيين من ميوعة وانحطاط، بعدما بات شغلها الشاغل، الصراع حول المواقع والتحالفات الهجينة وتقاسم المنافع والمكاسب، والانخراط في معارك سياسوية وضيعة ضد بعضها البعض، متنصلة من مسؤولياتها الوطنية، في التكوين والتأطير والتربية على القيم الوطنية، ومن أدوارها السياسية، في إنتاج برامج اقتصادية وتنموية، قادرة على تلبية حاجيات البلاد والعباد، والإسهام في تحقيق الإقلاع التنموي الوطني المنشود، وخدمة القضايا الوطنية المصيرية والاستراتيجية؛

 وفي هذا الصدد، فمن حسنات هذا البلد السعيد، أن هناك مؤسسة ملكية، لها من الرصانة والعمق الاستراتيجي، ما يجعلها ضابطة للمشهد السياسي، ماضية بحكمة وصمت وتبصر، في وضع المغرب على سكة الأمم الصاعدة، في سياقات جيوسياسية إقليمية ودولية، مطبوعة بالتوتر والصراع واللايقين، وكان بالإمكان، أن يكون وضع البلاد والعباد  أفضل وأحسن مما هو  عليه الآن، لو تلاقى المشروع الملكي المجتمعي الحداثي، مع أحزاب سياسية ديمقراطية تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار سياسوي ضيق، قادرة على الإبداع والابتكار، وخدمة ما يتطلع إليه المغاربة، من إصلاح وتغيير وبناء ونماء ونزاهة وأمن واستقرار؛

وفي المجمل، فالرهانات والتحديات الآنية والمستقبلية التي تنتظر المغرب والمغاربة، في أبعادها الاقتصادية والأمنية والتنموية والرياضية والاستراتيجية، تفرض تطهيرا حقيقيا لبيت الأحزاب السياسية، التي تبقى ملزمة، بالقطع مع واقع الزعامات الخالدة، والتزكيات الخاضعة لمنطق الولاءات والمساومات، والاحتكام لضوابط الديمقراطية الداخلية، والانفتاح على جيل جديد من الكفاءات والخبرات المشهود لها بالنزاهة والاستقامة ونكران الذات، القادرة على التطوير والتجديد والتحديث، والإسهام الحقيقي في الفعل التنموي الوطني، والدفاع المسؤول والمتبصر عن مصالح الأمة وقضاياها المصيرية والاستراتيجية؛

الأحزاب السياسية مطالبة علاوة على ذلك، بالتأطير المجتمعي وصناعة النخب السياسية القادرة على حمل المشعل الحزبي، وإنتاج خطاب سياسي مسؤول، يعيد ثقة المواطنين، في السياسة والسياسيين. غير هذا، ستبقى مجرد دكاكين سياسية، معرقلة لعجلة البناء والنماء، ومربكة لإيقاعات المشاريع الملكية ذات العمق الاستراتيجي، دافعة نحو اليأس المجتمعي، مساهمة في تكريس فقدان الثقة في الدولة والقانون والمؤسسات … أما “القرطاسة البنكيرانية” فيصعب التكهن بمآلاتها، في مشهد سياسي رتيب “الكل فيه يغني على ليلاه”، وهي تحتاج إلى من يجيد التصويب والتسديد نحو الهدف، في حقل رماية متعدد الرماة، مفتوح على كل الظروف والاحتمالات والمؤثرات …

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى