
السفير 24
عاد النقاش حول إصلاح مهنة المحاماة وعلاقتها بالتعليم الجامعي إلى الواجهة، في ظل مطالب متزايدة بضرورة تجاوز الاختلالات التي تعيق تكامل التكوين الأكاديمي مع الممارسة المهنية، خاصة في مجال العلوم القانونية الذي يشكل رافعة أساسية لأي مشروع تنموي.
وحسب بلاغ صادر عن النقابة الوطنية للتعليم العالي توصل موقع “السفير 24” الالكتروني بنسخة منه، فقد تقدمت هذه الأخيرة بمذكرة تفصيلية تدعو من خلالها إلى تعديل المادتين 13 و14 من مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة، بما يتيح إقرار مبدأ عدم التنافي بين مهنة الأستاذ الجامعي ومهنة المحامي، وتمكين الطرفين من الجمع بين التدريس الجامعي والممارسة المهنية في إطار قانوني منظم.
واستندت النقابة في طرحها إلى الخلفية العامة لإصلاح التعليم العالي بالمغرب، الذي ظل، رغم تعدد الإصلاحات، عاجزاً عن تحقيق أهدافه المرتبطة أساساً بملاءمة التكوين مع متطلبات سوق الشغل. وفي هذا السياق، تستحضر التوجيهات الملكية المتكررة التي أكدت على ضرورة تأهيل الجامعة للقيام بدورها في إدماج الخريجين، وتجاوز إشكالية تخريج أفواج من العاطلين، خاصة في بعض التخصصات القانونية التي تعاني من ضعف الاندماج المهني.
وترى المذكرة أن أحد أبرز مظاهر هذا الخلل يكمن في الفصل القائم بين مهنة التدريس الجامعي ومهنة المحاماة، وهو ما أدى إلى بروز فجوة واضحة بين التكوين النظري والممارسة العملية. فالأستاذ الجامعي، وفق هذا التصور، أصبح محصوراً في التأطير النظري، بعيداً عن الإشكالات الواقعية التي يطرحها العمل القضائي والمقاولاتي، في حين ظل المحامي، في المقابل، رهين الجوانب المسطرية دون انخراط فعلي في البحث العلمي وتطوير الفكر القانوني.
وأرجعت النقابة جذور هذا الوضع إلى الإطار القانوني المنظم للمهنة، خاصة منذ صدور ظهير 1993 الذي أقر مبدأ التنافي بين المحاماة والوظائف المأجورة، وهو التوجه الذي تم تكريسه لاحقاً في قانون 2008، قبل أن تعرف بعض المسودات اللاحقة محاولات جزئية لمراجعته دون أن تفضي إلى إقرار مبدأ الجمع بشكل صريح ومتوازن. كما تشير إلى مفارقة تشريعية تمثلت في السماح للمحامي بممارسة التدريس، مقابل فرض الاستقالة على الأستاذ الجامعي الراغب في ولوج مهنة المحاماة، وهو ما اعتبرته تمييزاً غير مبرر.
وفي هذا الإطار، انتقدت النقابة استمرار مشروع القانون الحالي في تكريس هذا التنافي، خاصة من خلال التنصيص على إمكانية التدريس “بصفة عرضية” فقط، معتبرة أن هذا التقييد لا يسمح بالانخراط الفعلي في البحث العلمي أو التأطير الأكاديمي، ولا يحقق الهدف المنشود من التلاقح بين المهنتين.
وأبرزت المذكرة أن اعتماد مبدأ الجمع بين التدريس والمحاماة معمول به في عدد من التشريعات المقارنة، حيث يساهم هذا التكامل في تطوير جودة التكوين القانوني، وتعزيز البحث العلمي، وتمكين الطلبة من تكوين مزدوج يجمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، وهو ما ينعكس إيجاباً على سوق الشغل وعلى فعالية المنظومة القضائية.
كما تتوقف الوثيقة عند الآثار السلبية لهذا التنافي على الاقتصاد الوطني، مشيرة إلى أن غياب التأطير القانوني الفعال للمقاولات، خاصة الصغرى والمتوسطة، واحتكار بعض مجالات الاستشارة القانونية، أدى إلى لجوء عدد من الفاعلين الاقتصاديين إلى مكاتب أجنبية، في وقت لم يتمكن فيه المحامي المغربي من تطوير خدمات قانونية تنافسية أو الولوج إلى الأسواق الدولية، رغم الدينامية الاقتصادية التي يعرفها المغرب وانفتاحه على العمق الإفريقي.
وعززت النقابة طرحها بمعطيات مقارنة، تبرز الدور الاقتصادي الكبير لقطاع الخدمات القانونية في دول متقدمة، حيث يساهم بشكل مهم في الناتج الداخلي الخام ويوفر مئات الآلاف من مناصب الشغل، معتبرة أن تأهيل هذا القطاع بالمغرب يمر عبر الانفتاح على الكفاءات الأكاديمية وربط الممارسة المهنية بالبحث العلمي.
وعلى المستوى القانوني، أكدت المذكرة أن مبدأ منع الجمع ليس مطلقاً، إذ يتيح النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية إمكانية إقرار استثناءات بموجب نصوص خاصة، وهو ما يفتح المجال أمام القانون المنظم لمهنة المحاماة لإدراج مقتضيات تسمح للأساتذة الباحثين بمزاولة هذه المهنة دون تعارض قانوني.
وبناءً على ذلك، دعت النقابة إلى إدخال تعديلات جوهرية على مشروع القانون، من أبرزها إقرار عدم تنافي مهنة الأستاذ الباحث في القانون مع ممارسة المحاماة، وإلغاء شرط الاستقالة من التدريس، إلى جانب حذف القيود المرتبطة بالسن، مع مراجعة صياغة المادة 14 لإلغاء تقييد التدريس بصفة عرضية.
وخلصت النقابة الوطنية للتعليم العالي إلى أن تمكين الأساتذة الجامعيين والمحامين من الجمع بين المهنتين من شأنه إحداث نقلة نوعية في التكوين القانوني، وتعزيز جودة الاجتهاد القضائي، ودعم الاقتصاد الوطني من خلال تطوير خدمات قانونية أكثر نجاعة، داعية إلى فتح نقاش وطني مسؤول يضع مصلحة العدالة والتعليم في صلب الإصلاحات التشريعية المرتقبة.



