كتاب السفيرفي الواجهة

كأس إفريقيا: حين تفضح الأرقام بروباغندا العزوف عن الملاعب

كأس إفريقيا: حين تفضح الأرقام بروباغندا العزوف عن الملاعب

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

يبدو أن بعض غرف التحرير لم تدخل كأس إفريقيا بالمغرب لمتابعة كرة القدم، بل وهي تحمل نعيا جاهزا للجمهور. ما إن تبدأ المباراة حتى تبدأ عملية التفتيش: أين الكراسي الفارغة؟ من أي زاوية تبدو المدرجات أقل امتلاء؟ وهل يمكن قص الصورة دون إظهار الثلاثين ألف متفرج الحاضرين؟ هكذا تصنع “الحقيقة”: لا عبر الأرقام، بل عبر عدسة ضيقة ونية أضيق.
البداية لم تكن مريحة لهذه السردية. افتتاح البطولة في الرباط جلب أكثر من ستين ألف متفرج، بنسبة ملء تقارب 88 في المئة. رقم ثقيل، مربك، يصعب تدويره سياسيا. لذلك تم التعامل معه كحادث معزول: “طبيعي… صاحب الأرض”. ممتاز. فلننتقل إذن إلى ما بعده. لكن المفاجأة أن المدرجات لم تفرغ.
في أكادير، مباراة الكاميرون والغابون—لا مغرب فيها ولا نشيد وطني—استقطبت أكثر من 35 ألف متفرج، بنسبة ملء تقارب 78 في المئة. هنا بدأ الارتباك الحقيقي: كيف يمكن لمدرج محايد أن يكون ممتلئا إلى هذا الحد؟ وأين نضع هذه الأرقام في خطاب “العزوف”؟
الحل كان بسيطا: تجاهلها. أو اعتبارها استثناءً غير ذي دلالة. لكن الاستثناء تكرر. مباراة مصر وزيمبابوي في أكادير جذبت أكثر من 28 ألف متفرج. رقم محترم في أي بطولة إفريقية، لكنه فجأة صار “ضعيفا” لأن الملعب كبير. هكذا “يُعاقَب” المغرب لأنه بنى ملاعب تتسع للمونديال، لا لكاميرات تبحث عن الفراغ. في منطق البروباغندا، كلما كبر الملعب صغر الجمهور، ولو حضر ثلاثون ألفا.
ثم نصل إلى لب المفارقة: الجولة الأولى وحدها سجلت حوالي 237 ألف متفرج، بمتوسط يقارب عشرين ألفا في المباراة الواحدة. هذا ليس رأيا، بل حساب بسيط. وهو أعلى متوسط في دور مجموعات خلال العقد الأخير. لكن الأرقام، كما نعلم، لا تجيد الظهور في العناوين التحريضية. لا ترفع الصوت، ولا تتهم، ولا تخدم أجندة جاهزة.
وهنا يدخل البعد السياسي بلا قناع. جزء من الخطاب الذي يروج “غياب الجمهور” لا يخرج من فراغ، بل من سياق معروف: كل نجاح مغربي يجب أن يكسر، ولو لغويا. إعلام جزائري رسمي وشبه رسمي، ومعه بعض المنصات التي تتغذى على الخصومة أكثر مما تتغذى على المعلومة، وجد في المدرجات زاوية مثالية. فشل تنظيمي؟ لا. عشب سيئ؟ لا. ملاعب عالمية؟ للأسف نعم. إذن فلنقل إن الجمهور غائب. عبارة مرنة، لا تحتاج دليلا، وتصلح لكل العناوين.
المشكلة أن المقارنة تفضح النية. في مصر 2019، امتلأ استاد القاهرة حين لعبت مصر، ثم تحولت بقية المباريات إلى تمارين صدى. في بعض الملاعب، نزلت نسب الملء إلى أقل من 20 في المئة، من دون أن تعلن حالة “حداد جماهيري”.
في كوت ديفوار 2023، كانت البداية متواضعة قبل أن تنقذها الأدوار الإقصائية. في المغرب 2025، يحدث العكس: مباريات لا علاقة لها بمنتخبنا المستضيف تسجل أعلى متوسط حضور محايد منذ عشر سنوات، والفجوة بين الحضور الجماهيري في مباريات المغرب وبقية المباريات الأخرى هي الأضيق. هذه ليست بطولة “تفتح وتغلق” مع المنتخب الوطني، بل بطولة تسير بجمهورها الخاص.
لكن كل هذا لا يهم من يبحث عن صورة لا عن واقع. لأن الجمهور المغربي، وهذه هي الخطيئة الأصلية في نظرهم، ليس جمهور “كاري حنكو”. لا يؤجّر ليملأ المدرجات عند الحاجة، ولا يستدعى ليؤدي دورا وطنيا بالتصفيق. هو جمهور عنيد، انتقائي، لا يذهب إلى الملعب ليرضي كاميرا ولا خطابا سياسيا. يذهب حين يرى مباراة تستحق، وتذكرة يمكن الوصول إليها. وحين يذهب، يفسد الحسابات.
اتضح جليا أننا لسنا أمام “أزمة جمهور” بل بروباغندا جاهزة. فمدرجات الملاعب المغربية لم تخذل البطولة، بل خذلت من قرروا مسبقا أنها يجب أن تفشل. وكما يحدث دائما، الأرقام—تلك الأشياء المزعجة التي لا تفهم في السياسة—قالت كلمتها، وتركت البروباغندا وحيدة، تعد الكراسي بدل أن تعد الحقائق.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى