في الواجهةكتاب السفير

المتقاعد وحلم “الزيادة” !

المتقاعد وحلم "الزيادة" !

le patrice

السفير 24 – عبد اللطيف مجدوب

 خريف العمر بين مطرقة الغلاء وسندان الجحود

في الثقافة المغربية السائدة، وللأسف، غالباً ما ترتبط كلمة “متقاعد” بدلالات نفسية واجتماعية قاسية. فهي لا تعني مجرد “الراحة بعد العناء”، بل تُترجم واقعياً إلى نهاية المشوار المهني، وبداية انحسار الدور الاجتماعي، وكأن المتقاعد قد استنفد صلاحيته، ليدخل في مرحلة من التهميش الصامت.

الجيب المثقوب: غلاء المعيشة وفاتورة “الزمانة”

لم يعد التقاعد “مرحلة استراحة محارب”، بل تحول إلى ساحة معركة جديدة وغير متكافئة ضد الظروف المادية:

 * تسونامي الغلاء: يواجه المتقاعد تصاعداً صاروخياً في وتيرة أسعار المواد الأساسية والخدمات اليومية. هذا الغلاء يلتهم المعاش الهزيل أصلاً قبل منتصف الشهر.

 * ضريبة الشيخوخة: مع تقدم العمر، تظهر أمراض الشيخوخة (السكري، الضغط، القلب..). وتتحول فواتير أدوية الزمانة إلى بند ثابت ومرهق، يقتطع جزءاً كبيراً من الدخل، في ظل ضعف تغطية بعض التعاضديات وتأخر التعويضات.

مفارقة “الجمود” في زمن الزيادات

لعل أكثر ما يحز في نفس المتقاعد هو الشعور بالغبن والمقارنة غير العادلة:

 * النسيان الحكومي: في الوقت الذي تبشّر فيه مخرجات الحوار الاجتماعي بزيادات متواترة في رواتب الموظفين النشيطين، يظل معاش المتقاعد جامداً في مكانه، وكأنه معزول عن الدورة الاقتصادية والتضخم.

 * عجز الميزانية: تشير التقديرات والواقع المعاش إلى أن نسبة النفقات الشهرية للمتقاعد (أكل، فواتير، دواء، رعاية) تفوق قيمة معاشه الشهري بـ 70% في كثير من الحالات. هذا العجز يدفع المتقاعد إما للاستدانة أو الاعتماد على مساعدة الأبناء، مما يضر بكرامته في ،

 * سنوات من الجليد: هناك حالات لمعاشات لم تتحرك درهماً واحداً لسنوات طويلة، رغم أن القيمة الشرائية لذلك المبلغ قد تآكلت بنسبة كبيرة.

كابوس الصناديق: “CMR” والتوجس الدائم

لا يتوقف الأمر عند ضعف المعاش، بل يتعداه إلى القلق الوجودي من توقفه:

 * يعيش المتقاعد هاجساً دائماً بسبب الأخبار المتواترة حول أزمة صناديق التقاعد، وخاصة الصندوق الوطني المغربي للتقاعد (CMR).

 * يشعر المتقاعد أنه يدفع ثمن “تلاعبات” أو “سوء تدبير” لم يكن طرفاً فيه، ويخشى أن يكون هو “حائط الصد” القصير الذي سيتم القفز عليه لحل أزمات الصناديق، بدلاً من حماية حقوقه المكتسبة.

المتقاعد: هنا وهناك.. مفارقة مؤلمة

تزداد المرارة عند عقد مقارنة بسيطة بين المتقاعد المغربي في بلده، ونظيره (أو حتى المهاجر المغربي) في الدول الأوروبية:

 في أوروبا، يتمتع المتقاعد بامتيازات “التبجيل”: تخفيضات في النقل، أسبقية في التطبيب، رحلات ترفيهية مدعومة، ورعاية اجتماعية تحفظ كرامته. بينما في المغرب، يجد نفسه يصارع للحصول على أبسط حقوقه دون أي امتياز يذكر يشعره بالامتنان لما قدمه.

ختاماً: متى الإنصاف؟

يبقى السؤال العريض والمعلق: متى يتم الاعتراف بخدمات المتقاعد الوطنية؟

إن هؤلاء الرجال والنساء أفنوا زهرة شبابهم في بناء الإدارة والاقتصاد والمجتمع المغربي. إن إنصافهم ليس “صدقة”، بل هو دين في عنق الدولة والمجتمع. المتقاعد لا يحلم بالثراء، بل يحلم بـ “زيادة” تحفظ ماء الوجه، وبمعاش يصون الكرامة في أرذل العمر.

 

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى