
السفير 24 – جمال اشبابي
لا شيء أكثر إثارة للسخرية من إعلان وزاري يجمع بين النخوة والتردد في آن واحد. فبعد أن سلت سيوف المراقبة على رقاب أصحاب الدراجات النارية، وبعد أن بدأ المواطن البسيط يصارع أسعار قطع الغيار المشتعلة، جاء بلاغ وزارة النقل ليؤكد أن الأمر برمته ربما مجرد “سوء قراءة”، وأن “الوعي” سيحل محل “العقاب”. قرار تأجيل مذكرة مراقبة الدراجات، الذي أُعلن عنه يوم أمس، لم يحل أزمة، بل كشف عن تخبط وعجز كبير في التخطيط، وهو بمثابة اعتراف صريح بأن بعض القرارات يتم اتخاذها وكأنها “تخمين” أكثر منها “حسابات”.
القرار السابق للوزارة والذي قضى باخضاع الدراجات النارية للمراقبة، كان على درجة عالية من الثقة، ولكن، ما إن أطلت “الإشكاليات الاجتماعية والاقتصادية” برأسها حتى اهتزت الثقة وتراجعت الخطى. هذا التراجع ليس حكمة، بل هو “إدارة أزمات” بالمعنى السلبي للكلمة. فإذا كان القرار الأول مبنيا على دراسة حقيقية للمخاطر، فلماذا لم يتم أخذ تبعاته الاجتماعية والاقتصادية في الاعتبار منذ البداية؟ هل كانت الوزارة تتوقع أن يخرج المواطنون للاحتفال وهم يدفعون تكاليف تكاليف قطع الغيار؟
بين سلامة الأرواح وجيوب “ولاد الشعب”
الغالبية العظمى من مستخدمي الدراجات النارية هم من “ولاد الشعب” والبسطاء، ممن لا يملكون ترف الاختيار بين وسائل النقل، فالدراجة هي مصدر رزقهم الوحيد، أو وسيلتهم للوصول إلى أعمالهم. وعندما تضع الوزارة أمامهم خيارا صعبا: إما دفع تكاليف باهظة لتعديل دراجاتهم، أو مواجهة العقوبات، فإنها تضعهم بين المطرقة والسندان. فكيف يمكن لمواطن يعاني من غلاء المعيشة أن يتحمل تكاليف قطع غيار باهظة الثمن، ليتوافق مع قرار لم يكن له أي دور في اتخاذه؟
إن قرار التأجيل، على الرغم من أنه خطوة إيجابية، لكنه في الحقيقة اعتراف ضمني بأن القرار الأول كان غير محسوب العواقب اجتماعيا واقتصاديا. فهل كانت الوزارة تنتظر أن يهديها أصحاب الدراجات النارية الورود؟ ثم، هل هذا هو الأسلوب الأمثل لمعالجة ٱفة حوادث السير؟
مهلة زمنية أم “تخدير مؤقت”؟
الوزارة بررت أن قرار التأجيل يهدف إلى منح المواطنين وقتا كافيا لتوفيق أوضاعهم، ولكن هل هذه المهلة كافية لحل مشكلة أكبر بكثير من مجرد تعديل دراجة نارية؟ فالمشكلة الحقيقية تكمن في أن الآلاف من الدراجات النارية غير المطابقة للمواصفات سمح لها بالدخول إلى السوق في المقام الأول، والآن يطالب المواطن بتحمل مسؤولية تقنينها.
هذا الموقف، بكل ما فيه من تناقضات، يعكس أزمة حقيقية في اتخاذ القرار، حيث يتم إصدار القوانين دون دراسة كافية لتأثيراتها على الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. فسلامة الأرواح لا يمكن أن تبنى على حساب القدرة الشرائية للبسطاء، والقرارات يجب أن تكون مبنية على التخطيط السليم، وليس على الارتجال. فهل ستكون هذه المهلة كافية لإعادة التوازن، أم أنها مجرد “تخدير مؤقت” لأزمة أكبر في الطريق؟



