
السفير 24
صدر مؤخرًا الإطار القانوني الجديد المنظم لولوج سلك الماستر بالجامعات المغربية، والذي نُشر في الجريدة الرسمية. هذا القانون أثار نقاشًا واسعًا داخل الأوساط الجامعية، حيث اعتبره البعض خطوة نحو ترسيخ معايير الشفافية والتمييز الإيجابي، بينما رأى فيه آخرون تهديدًا لحق العديد من الطلبة في متابعة دراستهم العليا.
القانون يميز بين نوعين من الماستر: الأول هو “الماستر العام” الذي يُفتح أمام جميع الحاصلين على الإجازة دون مساطر انتقاء، والثاني هو “الماستر المتخصص” أو “ماستر التميز” الذي يخضع لمساطر دقيقة أساسها دراسة الملفات، مع إمكانية إدماج امتحانات كتابية وشفوية وفق خصوصيات كل مؤسسة.
المعايير التي يعتمدها الأساتذة واللجان البيداغوجية في عملية الانتقاء تتراوح بين المعدل العام للطالب، عدد سنوات التأخر في المسار الدراسي، ونوعية التخصص الأصلي. غير أن التجارب الجامعية السابقة تكشف عن تفاوتات واضحة في طرق التنزيل، حيث تلجأ بعض المؤسسات إلى توزيع النقاط بشكل صارم بين الملف، الاختبارات، والمقابلة الشفوية، بينما تكتفي مؤسسات أخرى بدراسة الملفات وحدها، مما يثير جدلًا حول وحدة المعايير على المستوى الوطني.
من جهة أخرى، يضع هذا القانون عميد الكلية أمام مسؤولية كبيرة في ضمان عدالة المساطر، خاصة وأن السلطة التقديرية للجان الانتقاء ما تزال واسعة. فالجامعات مطالبة، وفق منطوق النص القانوني، بتطبيق مبدأي الإنصاف والشفافية، لكن ضعف آليات التتبع والمراقبة يجعل التطبيق رهينًا بممارسات محلية قد لا تكون دائمًا منسجمة مع روح الإصلاح. وفي غياب رؤية استراتيجية شمولية، قد تتحول مساطر الانتقاء إلى مصدر للإقصاء بدل أن تكون أداة لتحفيز التفوق.
كما أن عدد المقاعد المخصصة للماستر بدوره يظل رهينًا بقدرات المؤسسات على الاستيعاب، مما يثير مخاوف الطلبة من تضييق قاعدة المستفيدين. ويرى العديد من المهتمين بالشأن الأكاديمي أن تكريس الانتقاء الصارم، في ظل ضعف بنيات الاستقبال وقلة التأطير البيداغوجي، قد يؤدي إلى حرمان فئة واسعة من الطلبة من فرص متابعة تكويناتهم، مما يتعارض مع الطابع الديمقراطي للتعليم العالي كخدمة عمومية.
ولا يقف الجدل عند هذا الحد، بل يمتد إلى نقد السياسة المتبعة في استلهام نماذج أجنبية متكررة كلما تولى وزير جديد تدبير القطاع. فالتاريخ القريب يبين أن العديد من القوانين التي تم استنساخها من تجارب خارجية، لم تجد طريقها إلى التطبيق الفعلي في السياق المغربي، إما بسبب غياب الموارد أو لانعدام الملاءمة مع الواقع المحلي. الشيء الذي يثير تساؤلات حول قدرة الوزير عز الدين ميداوي على بلورة إصلاح مستدام يقطع مع منطق الترقيع والتجريب المتكرر.
إن النقاش حول ولوج الماستر لا يقتصر على الجانب القانوني فقط، بل يتعداه إلى البنية العميقة للجامعة المغربية، هل هي مؤسسة لإنتاج المعرفة والبحث العلمي، أم مجرد قناة لتوزيع الشهادات على نطاق واسع؟ فهذا السؤال الجوهري يعكس المعضلة الحقيقية التي تواجه الإصلاح. إذا لم يواكب تنزيل القانون الجديد برؤية استراتيجية لإعادة الاعتبار للبحث العلمي، وتوفير شروط الإنصاف، وتوحيد معايير الانتقاء، فإن خطر إعادة إنتاج نفس الاختلالات السابقة سيبقى قائمًا، بل وقد تتفاقم حدة التوتر بين الطلبة والإدارة الجامعية.
جدير ذكره، أن هذا القانون يأتي في سياق الإصلاحات المتتالية التي عرفها قطاع التعليم العالي منذ اعتماد القانون 01.00، لكنه يطرح تساؤلات عميقة حول مدى قدرة المنظومة على تحقيق التوازن بين مبدإ تكافؤ الفرص ومتطلبات الجودة الأكاديمية.



