في الواجهةكتاب السفير

الحرب الروسية – الأوكرانية: حرب لا ناقة لنا ولا جمل فيها

الحرب الروسية – الأوكرانية: حرب لا ناقة لنا ولا جمل فيها

le patrice

* د. يسين العمري – دكتور في علم اجتماع السياسة والدين

من نافلة القول أنّ من تدخّل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه، وهذا الموضوع على أهميته الجيو-سياسية والجيو-استراتيجية، لما قد يقع بالعالم من تداعيات هذه الحرب على المنظورين المتوسط والبعيد، قد تعيد رسم خارطة التوازنات والتحالفات الدولية، وإعادة النظر في مدى تأثير القوى التقليدية على مجريات الأحداث، وحتى أنّ هناك من المنظرين (الأكثر تشاؤماً) من ذهب باتجاه احتمال قيام حرب عالمية ثالثة بعد حديث بعض الجهات عن إمكانية حدوث مواجهة نووية بين روسيا والغرب ممثلا في حلف الناتو، على إثر قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بوضع قوات الردع النووي الروسية في حالة تأهّب قصوى.

هناك سؤال يتبادر للذهن: ما موقع العرب والمسلمين من هذا الصراع؟ تحديداً ما موقع وموقف المملكة المغربية؟ كيف يمكن تفادي اتّخاذ موقف لا يجعلهم متّهمين من هذا الطرف بالتواطؤ، أو من الطرف الآخر بالخيانة والتآمر.

الحقيقة إنّ هذا السؤال قد يبدو ساذجاً كما قد يبدو حكيماً، كلّ حسب قراءته وفهمه للساحة السياسية الدولية، التي يبدو أنّها تعود لأجواء الأحلاف الدولية كما كانت خلال فترة الحرب الباردة، ممّا يستوجب عودة دور منظمة دول عدم الانحياز، فهذه الحرب لا تعنينيا مطلقاً لا كعرب ومسلمين، ولا كمغاربة.

من يدافع عن روسيا، فروسيا قتلت مئات الآلاف من السوريين، وشردت الملايين منهم، وتسبّبت في نزوحهم، وعيشهم إلى اليوم كلاجئين في مخيمات تشهد ظروفاً غير إنسانية، وهي نفس روسيا التي ما فتئت تدعم موقف خصوم الوحدة الترابية للمملكة المغربية، والتي استخدمت غير ما مرة لحقّ النقض الفيتو ضدّ مصالح المغرب في قضيته الوطنية الأولى.

ومن يدافع عن أوكرانية، فأوكرانيا لها قوات في العراق وأفغانستان، قاتلت وقتلت الآلاف من المسلمين، ولها مواقف مخزية جداً في القضية الفلسطينية.

إذاً الدفاع عن أحدهما هو بمثابة تفضيل مرض على آخر، كمن يفضّل أن يصاب بكورونا عوض السّلّ مثلاً، صحيح أنّ الإنسانية تجعلنا نرفض الحرب ومنطقها، لأنّ الحروب والعنف وسيلة غير متحضّرة لحلّ النزاعات، ويؤدّي ثمنها الأبرياء، لكن هذا المنطق الإنساني للأسف تتمّ المتاجرة به، ويطبّق حسب الهوى والمزاج، فدماء المسلمين في فلسطين وتركستان الشرقية وسوريا وميانمار والهند وأفريقيا الوسطى والعراق وأفغانستان والشيشان وداغستان تسيل بغزارة ولا أحد يتحرّك أو يعبأ بالأمر، وكأنّها دماء حيوانات، بل حتى الحيوانات تجد من يدافع عنها ويطالب بحقوقها، لكن دماء الأوكرانيين استنهضت الهمم، وبات العالم ومنظمات حقوق الإنسان ينادون ويصرخون بأعلى صوت لإيقاف الروس.

يمكننا أن نتذكر في العشرية الماضية وتحديداً سنوات 2011/2012/2013 مع موجة النازحين السوريين والعراقيين إلى أوربا، كيف تمّت معاملتهم كأنهم ليسوا بشراً، واليوم نلاحظ مشهداً مناقضاً تماماً حيث يتمّ استقبال اللاجئين الأوكرانيين بالترحاب وبالأحضان والورود، وأتساءل هنا هل الإنسانية بدورها باتت محلّ نفاق؟

كذلك إذا أمعنّا التدقيق في التغطية الإعلامية، نرصد بعض أوجه الاختلال، فالإعلام “الغربي” ومن يدور في فلكه، سمى العملية العسكرية الروسية “غزواً”، وهو فعلاً كذلك، لأنّه تدخّل في أراضي دولة ذات سيادة، ولكن الجيش الأمريكي في تدخّلاته غير القانونية في العراق وأفغانستان وضربه لسوريا يسمي الأمر “تحريراً”، وهنا ازدواجية معايير رائحتها تزكم الأنوف، وهنا يتجلى دور الإعلام الموجَّه الذي يحاول استغباء واستحمار المتتبّعين، إنّ الغزو غزو أيّاً كان طرفه، ولن تنفع مساحيق التجميل الإعلامية في إزالة حقيقته المتّسخة.

وأختم بمقولة أو بدعاء يقول: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين”، وأختم كذلك بالإشادة بدور السلطات المغربية في استعادة الطلبة المغاربة بأوكرانيا، آملين أن يتمّ إجلائهم بأقصى سرعة ممكنة، ومتمنين لهم السلامة، وأن يعيدهم الله لأحضان عائلاتهم سالمين غانمين.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى