* بقلم: د. المصطفى ساجد
فعلى سبيل المثال، فتوزيع موارد التكوين المستمر لا يمتثل ولا يخضع للمعايير المعتمدة و لا للنسب المحددة في القانون الداخلي للتكوين المستمر، الذي تم اعتماده من طرف أعضاء مجلس الجامعة والذي يبقى حبرا على ورق ولا يأخذ به بصفة تامة، في شأن التقيد ببنوده لتدبير الأمور البيداغوجية و المالية للتكوين للمستمر، في ظل الهيمنة ومركزة القرار من طرف العمادة السابقة.
بمجموعة من المؤسسات الجامعية وفي حالات عديدة، فالفاعلين الجامعيين أضحوا يتحمسون أكثر لخلق تنسيق تكوينات مستمرة معتبرين تنسيق التكوينات الأساسية كضياع للجهد في غياب رهان الربح و الجزاء المادي. وفي هذا الإطار، يجب الإشارة الى أن رئيسة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، منذ تولي مهامها، تصر في مداخلاتها وعبر طبيعة الشراكات والاتفاقيات المشجعة، على عدم الاقتصار والتعويل على موارد الميزانية (الإعانة) المرصودة، وأنه أضحى ضروريا، حسب منطقها، التنقيب عن موارد غير عمومية بتنمية التمويل الذاتي من خلال تشجيع التكوين المستمر وتكثيف الاستفادة من الشركات والاتفاقيات المبرمة و المربحة ماليا. فالاتفاقيات المبرمة مع بعض جامعات دول الخليج خير دليل على الأهداف المتوخاة من ذلك.
وعلى هذا المنوال، فالجهات الإدارية، (رئاسة المؤسسة، رئاسة الجامعة) تعبد الطريق للراغبين في خلق تكوينات مستمرة وتدفع بقوة في هذا الاتجاه باعتبارها مدرة للموارد المالية وحطب مداخيل إضافية ذات التوزيع المتشعب بالرجوع إلى ما ينص عليه النظام الداخلي للتكوين المستمر لمجلس الجامعة.
وخلال تحملنا مسؤولية عضوية بمجلس الجامعة، سجلنا بامتعاض تهميش كليات الآداب والحقوق على مستوى الميزانيات المرصودة لهذه المؤسسات مقارنة مع مؤسسات الجامعة المتخصصة في المجالات العلمية ومجالات علوم الصحة، كل ذلك بناء على تبريرات غير منطقية وغير مقنعة، وخاصة باعتماد بعض المعايير كمعيار طبيعة التكوين. مما يكرس ويعضد التوجه الذي دافع عنه الوزير السابق لقطاع التعليم العالي لحسن الداودي حينما فاه أن كليات الآداب والعلوم الإنسانية والحقوق لا تصلح لأي شيء، وأنه في هجومه عليها، لا تفرخ في نظره سوى العاطلين.
وهذا تفكير يعبر عن قصور واضح في الوعي على اعتبار النظر إلى المجتمع كمجرد تجمع أفراد منقسم الى مستهلكين ومنتجين، وأن هدف الجامعة، حسب هذا البؤس في التفكير، هو خلق عامل إنتاج يزج به فداء للمقاولة وللنظام الرأسمالي المتوحش، في حين أن هدف الجامعة في العالم بأسره هو تكوين مواطن ملم بما يدور حوله ومدرك لواجباته و حقوقه وله وعي بالروابط المجتمعية. ولعل أزمة كورونا المحدقة بنا الآن، بينت بالملموس قصور التفكير والنوايا والرؤيا لدى هؤلاء المسؤولين الذين يعتبرون المجتمع كعلاقات تجارية واقتصادية فقط، بحيث أن هذه الأزمة الصحية الشاملة أوضحت أضرار غياب الوعي لدى المواطن وأن هذا يعتبر كارثة عظمى ويعمق من مأساة الجائحة، وبينت بأن المجتمع هو في العمق روابط إنسانية وثقافية واجتماعية تتطلب التضامن وحماية الآخر وتحقيق الأمان والسلامة الصحية، ومحاربة الأنانية المريضة.
إستراتيجية عدم إنتاج الإنسان بتجهيله – من خلال نظام تعليمي ضعيف ومهمش بخوصصته وطبقيته وتفقيره عبر تملص الدولة من مهامها الاجتماعية واعتبار خدمات المرافق الاجتماعية، كالصحة والتعليم، كعبء على ميزانية الدولة – لا تجد مقاومة فكرية من طرف الجامعي المعني بإعطاء أولوية للمشاكل المجتمعية والبيئية والانكباب على تحليل عواملها وسبل معالجتها باللجوء الى التحليل الموضوعي، و جرأة تجاوز الأطروحات الرسمية و”دائرة التدجين و الخنوع” لانتظارات وبرامج وأهداف الدولة النافذة.
” Oser sortir du politiquement correct”.
فدور المثقف ليس الهرولة وراء مخططات ذوي القرار و النفوذ ومشاريع السلطات العمومية، بإسداء خدمات التلميع والتبجيل (Glorification du pouvoir en place) مقابل المنافع والطمع في تقلد المناصب و المسؤوليات، بل واجب المثقف الجامعي هو الحرص على التقيد بالمسافة الموضوعية والعلمية في إنتاج دراسات معمقة عبر حياد تام و انسلاخ عن الخطاب الرسمي، وعن توجهات وانتظارات ماسكي السلطة والثروة، و الذين يحركون كل أساليب التأثير لاستمرارية احتكارهما، من خلال سياسة العصا والجزرة عبر الإغراءات والاحتواءات من جهة والترهيبات والحصار على الحريات العامة وخاصة حريات التعبير من جهة أخرى.
فالمصلحة العامة غير مرغوب فيها عندما تعرقل المصالح الشخصية و لا تخدم من اعتادوا على السباحة في الماء العكر، و الذين يحققون مآربهم وطموحاتهم الخاصة بالأساليب الملتوية وفي غياب احترام القانون ومبادئ تكافؤ الفرص وفي مباركة نظام الامتيازات والتجاوزات والدخول في قنوات الاستعباد والاستحواذ والركوع، وصناعة وتعليف كائنات محرضة ومستبدة، ذات أضرار جسيمة على المستوى المالي والبيداغوجي والعلمي وعلى حقوق ومعنويات الفاعلين الجامعيين.
إن الفراغ الناجم عن الاستقالة التامة للفاعل الجامعي، وعن وجود هياكل جامعية تؤثت المشهد ومغيبة كليا، هو الذي تسبب في الكوارث والحوادث التي أزكمت الأنوف بروائحها. فالنقطة التي أفاضت الكأس بعد سنوات من التجاوزات، والتي أوضحت بالملموس للرأي العام التبخيس والإساءة للحرم الجامعي، هو الشريط الاحتفالي، الذي تم تداوله عبر قنوات وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، والذي يوثق مشهدا للرقص بأحد مدرجات المؤسسة .
وفي شأن هذا الاعتداء على الحرم الجامعي، يجب التوضيح أن البرنامج الاحتفالي كان مسطرا له من قبل الإدارة ومؤشرا على كل نقط أعماله. وعليه، فرغم أن الطلبة في ظل مناخ الرداءة والدرك الأسفل، يكرسون هذا المنحنى ويواكبون إستراتيجية تقزيم وتبخيس دور المهام الطلائعية للفاعل الجامعي، فهم يتمتعون بظروف التخفيف بحيث أنهم لم يقتحموا المدرج، كمكان لإلقاء المحاضرات للتحصيل العلمي والمعرفي، بل أن الطاقم الإداري يتحمل المسؤولية الكاملة في هذه الواقعة والتي تجسد العبث بالمسؤولية وتجاوز الهياكل المعنية بشؤون الطلبة من مجلس الجامعة ومجلس الكلية، علما أن أعضاء هذه الهياكل لا يتم إخبارهم وإشعارهم بما يتم تنظيمه من مهرجانات وندوات بالمؤسسة خاصة وأن لجنة دائمة بمجلس الجامعة يوكل لها اختصاص الاهتمام بالشؤون الثقافية والرياضية.
لذلك فالانتقاد يجب أن يصب نحو ذوي المسؤوليات الإدارية وخاصة العميد بالنيابة حينئذ الذي لم يكن حازما ومباليا بما يدور من حوله من سلوكيات ومخططات ومن نمط تدبيري لطاقمه ولذوي المسؤوليات بالمصالح الإدارية والذين كانت لهم قوة التأثير على جميع مناحي العمل الجامعي على المستوى البيداغوجي والعلمي والمالي.
فإذا كان فن العيطة تراث موسيقي وتراث لامادي يدخل ضمن المكونات الثقافية الشعبية لبعض الجهات والمناطق المغربية، فمن سهر على تنظيم هذه المهرجانات أخطأ المكان ولطخ سمعته و قلص الحدود، الواجب الحفاظ عليها، بين قاعات الحفلات والمؤسسة الجامعية كمكان للإنتاج العلمي والتلقين المعرفي.
أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية *



