في الواجهةأقلام حرة

مسجد مداغ: حين تنهزم البروباغندا أمام الوثائق والذاكرة

مسجد مداغ: حين تنهزم البروباغندا أمام الوثائق والذاكرة

le patrice

السفير 24 – بقلم: عبد الفتاح العقلي

ثلاثة مقالات في ثلاثة أيام، بثلاث صياغات مختلفة، وبنفس المضمون. تكرارٌ لا يصنع حقيقة، بل يكشف عجزًا عن مواجهة ما طُرح من وثائق. فلم يجرؤ أيٌّ من هذه المقالات على الطعن في القرار الوزاري 418/19، ولا في محضر اللجنة المشتركة بتاريخ 30 مارس 2026، ولا في الإدراج الرسمي للمسجد في السجل الوطني للمساجد تحت الرمز المعلوماتي 113041321. وهذا الصمت — في حدّ ذاته — أبلغ من أي ردّ.

لكن بما أن السردية تُعاد بإصرار، فإن الردّ اليوم لن يكون بالتكرار، بل بما هو أقوى: وقائع جديدة تُسقط ما تبقّى من ادعاءات، وأسئلة لا جواب لها.

أولًا: صفعة اللجنة المشتركة التي يتجاهلها الجميع

في 30 مارس 2026، عاينت لجنة رسمية مشتركة — تضم ممثلين عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والسلطات المحلية — المسجدَ ميدانيًا، وخلصت في محضرها إلى أن المبررات التقنية المقدمة لإغلاقه لا تستند إلى أساس واقعي كافٍ، وأكدت صلاحيته لإقامة الشعائر.

فبأي منطق يُقدَّم تقرير مختبر خاص (S2G) على محضر لجنة سيادية تمثّل مؤسسات الدولة؟ وأي سلطة تملك أن تتجاوز كلمة وزارة الأوقاف — صاحبة الوصاية الشرعية والقانونية — لتمنع الناس من الصلاة؟

ثانيًا: ليس “معهدًا” ولا “استثناءً” — بل مسجد رسمي بالوثيقة والرقم

انطلقت أشغال بناء هذا المسجد بمساهمات المحسنين من المريدين، قبل أن تتدخل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في أواخر مارس 2017 لاستكمال أعمال التسوية والتوسعة، وذلك في إطار هبة ملكية سامية بقيمة 10 ملايين درهم. ثم وُجّه طلب رسمي إلى الوزارة بتاريخ 02 دجنبر 2019 تحت عدد 001404 لإدراجه في السجل الوطني للمساجد.

وبموجب القرار الوزاري رقم 418/19، سُجّل المسجد باسم «المسجد الكبير للزاوية القادرية البودشيشية»، وأصبح مسجدًا رسميًا تابعًا للأوقاف ابتداءً من يوم الجمعة 13 دجنبر 2019، يحمل الرمز الوطني المعلوماتي 113041321، مع تعيين القيّمين الدينيين المشرفين عليه.

هذا فعل قانوني صريح يحوّل الفضاء إلى وقف عام خاضع لوزارة الأوقاف بموجب مدونة الأوقاف لسنة 2010. فإما الطعن في القرار الوزاري — وهو طعن في مؤسسات الدولة — وإما القبول به، وعندها يسقط كل وصف مغاير.

أما حجة الصومعة فمردودة شرعًا وقانونًا: فأول مسجد في الإسلام لم تكن له صومعة، وآلاف المساجد في المغرب وخارجه تُقام فيها الصلوات دونها.

ثالثًا: أكذوبة “البديل المؤقت” — حين يفضحك التقويم

من أخطر ما جاء في السردية المقابلة الادعاء بأن مسجد الزاوية أُحدث “بديلاً مؤقتًا” عن مسجد أبي بكر الصديق بالحرشة الذي هُدم لإعادة بنائه. والوقائع تُكذّب هذا الادعاء تكذيبًا صارخًا:

  • مسجد الزاوية افتُتح رسميًا بتاريخ 13 دجنبر 2019.
  • أشغال هدم وإعادة بناء مسجد أبي بكر الصديق لم تنطلق إلا بتاريخ 01 مارس 2020، أي بعد أزيد من أربعة أشهر من الافتتاح.
  • المسجد الذي اعتُمد فعلاً بديلاً مؤقتًا إلى حين انتهاء الأشغال هو مسجد الشنن، لا مسجد الزاوية.

فكيف يكون المسجد “بديلاً مؤقتًا” عن مسجد لم يُهدم بعد؟ هذا ليس خطأً في التقدير، بل خبر كاذب يضع مروّجيه في خانة التشهير والترويج لأخبار مضللة، وهو ما يُسائَل عليه قانونيًا.

إن القرار الوزاري نفسه يؤكد أن المسجد رسمي وليس استثنائيًا، مما يُسقط ادعاء “الترخيص المؤقت” من أساسه.

رابعًا: الخطر الذي يعرف التقويم — أو انتقائية تفضح نفسها

لو سلّمنا جدلًا بأن البناية “تهدد الأرواح”، فلتُجبنا الجهات التي تروّج لهذا الخطاب:

  • سيدي جمال، رحمه الله، داوم على إمامة الناس في هذا المسجد من 2019 حتى انتقاله سنة 2025. ستّ سنوات كاملة لم يُثر فيها أحد موضوع “التصدعات”. أكان شيخ الطريقة يعرّض حياته وحياة المصلين للخطر؟
  • ليالي المولد النبوي تُقام كل سنة في هذا الفضاء بحضور المئات. لم يُستدعَ مختبر، ولم يصدر تحذير.
  • حفل العيد وليلة القدر نُظّما في نفس البناية بكل أريحية في رمضان المنصرم. لا مهندس حذّر، ولا فصل قانوني استُحضر.
  • ثم أُقيم فيه حفل المنيريين أنفسهم دون أدنى تخوّف.

فهل تتوقف قوانين الفيزياء في المناسبات لتعود يوم الجمعة؟ أم أن “الخطر” لا يظهر إلا حين يؤمّ الصلاةَ شيخُ الطريقة المعيَّن؟

إن “سلامة” تظهر وتختفي حسب السياق ليست سلامة — بل أداة.

خامسًا: التسلسل الزمني الذي يختصر كل شيء

كل هذه “التحفظات الهندسية” لم تُثَر إلا بعد تعيين سيدي معاذ شيخًا رسميًا للطريقة وإقامته الصلاة في هذا المسجد. هذا ليس تأويلًا، بل تسلسل زمني يقرأه كل ذي عينين. ومن يريد إقناع الرأي العام بأن الأمر “تقني بحت”، عليه أن يفسّر هذا التزامن.

وقد شكّلت هذه المناورات — من بيانات مضللة وادعاءات مفبركة — تمهيدًا لفرض الأمر الواقع بالقوة والفوضى وتعطيل إقامة الشعائر، وهو ما يُعدّ تصعيدًا خطيرًا يستوجب تدخل المؤسسات المختصة.

سادسًا: من الجدل الإداري إلى المسؤولية الجنائية

المسجد الكبير للزاوية القادرية البودشيشية ملك وقفي عام، خاضع للإطار القانوني والمؤسساتي المنظّم لبيوت العبادة. لا يحقّ لأي جهة احتكاره أو إخضاعه لمنطق الولاء أو الانتماء. غير أن الواقع يشهد ممارسات مقلقة من أفراد ينتمون إلى محيط منير القادري بودشيش، يسعون إلى فرض وضع شاذّ قائم على الإقصاء والمنع والتسلّط.

وما حدث يتجاوز النقاش التقني ليدخل في نطاق القانون الجنائي:

  • التدخل في أرضية بناية وقفية عامة بُنيت بهبة ملكية سامية، دون إبراز وثائق ترخيص وفق المساطر المعمول بها.
  • تعطيل شعيرة دينية مكفولة دستوريًا ومرخّصة بقرار وزاري، وهو ما يطرح إشكال عرقلة ممارسة حرية العبادة.
  • المشادّات المسجّلة داخل المسجد بتاريخ 23 يناير 2026، التي أسفرت عن شكايات مودعة لدى الدرك الملكي.
  • الترويج لأخبار كاذبة حول طبيعة المسجد وظروف افتتاحه، وهو ما يُعرّض مروّجيها للمساءلة القانونية.

خلاصة

الرأي العام — مريدين وغير مريدين — لم يعد ينتظر بيانات صحفية جديدة، بل ينتظر أمرين:

أن يُفتح المسجد أمام المصلين كما كان. وأن يُحال من أمر بتخريبه وتعطيل الصلاة فيه على الجهات القضائية المختصة.

ثلاثة مقالات، ولا وثيقة واحدة في مواجهة القرار الوزاري أو محضر اللجنة المشتركة. وثائقنا على الطاولة — بالأرقام والتواريخ والمراجع. فأين وثائقهم؟

إن الدولة التي ساهمت في بناء هذا المسجد بعشرة ملايين درهم من الهبة الملكية، وسجّلته في مؤسساتها تحت رمز وطني، وعيّنت له قيّمين دينيين، لن تقبل — ولا ينبغي لها — أن يُعبث به ثم تُطوى الصفحة.

الوثائق لا ترحم. والتقويم لا يكذب. والقانون فوق الجميع.

والله من وراء القصد.

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى