
السفير 24
في زمن مضى، كان مفهوم “رضا الوالدين” قيمة راسخة لا تحتاج إلى إعلان أو إثبات، بل كان يُستدل عليه من خلال السلوك اليومي، والاحترام الصادق، والتوفيق الذي يرافق الإنسان في حياته. لم يكن هذا الرضا يُعرض للناس، ولا يُتاجر به في الفضاء العام، بل كان علاقة خاصة وعميقة بين الابن ووالديه، يطبعها الصدق والبساطة.
أما اليوم، وفي ظل التحولات التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبح هذا المفهوم عرضة لنوع من “الاستعراض الرقمي”، حيث لم يعد يكفي أن يكون الإنسان باراً بوالديه، بل صار مطالباً، في نظر البعض، بتوثيق هذا البر عبر تسجيلات صوتية أو مقاطع فيديو، تُنشر لجني التفاعل و”الإعجابات”.
مناسبة هذا الكلام، هي ما بات يُروج له مؤخراً من مقاطع يتم تداولها على نطاق واسع، يُظهر فيها أشخاص تسجيلات صوتية لآبائهم أو أمهاتهم وهم يعبرون عن رضاهم عنهم، وكأن هذا الرضا شهادة تُعرض أمام الجمهور، أو وسيلة لإثبات التفوق الأخلاقي أمام الآخرين.
غير أن هذا السلوك يطرح إشكالاً عميقاً حول تحوّل القيم من مضمونها الحقيقي إلى مجرد “محتوى” قابل للاستهلاك. فالعلاقة بين الأبناء والآباء لا تُقاس بعدد المشاهدات، ولا تُختزل في مقطع صوتي أو فيديو عابر، بل تُبنى على ممارسات يومية صادقة، قد لا يراها أحد، لكنها تحمل في جوهرها المعنى الحقيقي للبر.
ثم إن تحويل هذه اللحظات الخاصة إلى مادة للنشر يطرح تساؤلات أخلاقية، تتعلق بحدود الخصوصية، ومدى احترام مشاعر الوالدين أنفسهم، الذين قد يجدون أنفسهم، في بعض الحالات، جزءاً من مشهد استعراضي لا يعكس بالضرورة عمق العلاقة الحقيقية.
إن ما نشهده اليوم ليس فقط تغيراً في الوسائل، بل تحولاً في القيم ذاتها، حيث أصبح البعض يسعى إلى “إثبات” ما كان في السابق يُفهم دون شرح. وبين الصدق والاستعراض، تضيع أحياناً المعاني النبيلة، ويختلط الحقيقي بالمصطنع.
في النهاية، يبقى “رضا الوالدين” أسمى من أن يُختزل في تسجيل صوتي أو منشور عابر، فهو علاقة إنسانية عميقة لا تحتاج إلى جمهور لتكون صادقة، ولا إلى توثيق لتكون حقيقية.



