
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
بين شعارات “السيادة الوطنية الرنانة” وممارسات “عصابات الهواة” في ضواحي باريس، أحدث برنامج France 2 زلزالا إعلاميا كشف المستور عن وجه النظام الجزائري في الخارج. لم ترصد الحلقة لواقعة اختطاف الناشط أمير بوخرص الملقب بـAmir DZ فقط، بل كانت تشريحا علنيا لأساليب تجنيد العملاء والجواسبس والابتزاز العابر للحدود. وفي مفارقة سياسية ساخرة، وجد النظام نفسه متورطا في ‘اختطاف’ هيبته الدولية بيده، حينما تحولت عمليته السرية إلى فضيحة استخباراتية موثقة بالصوت والصورة، وضعت أجهزته في مواجهة مباشرة مع القضاء الفرنسي وأمام مرارة الحقيقة التي حاولت السلطة طويلا تزييفها.
أظهر البرنامج أن النظام الجزائري كمن قرر أخيرا أن يتوقف عن لعب دور الضحية… ويجرب دور المهرج. مساء الخميس، وعلى القناة العمومية الفرنسية France 2، لم يكن برنامجها استقصائيا بقدر ما كان تعرية قاسية: دولة بكامل أجهزتها أظهرتها القناة “كعصابة” مرتبكة، تخطف، تتجسس، تبتز… ثم تبكي لأن الكاميرا فضحتها.
الحلقة لم تتحدث عن شائعات، بل عن وقائع: أمير دي زاد اللاجئ السياسي في فرنسا، يختطف في ضاحية باريسية من طرف أشخاص يحملون شارة شرطة مزيفة. بوليس من الكرطون. احتجاز 26 ساعة. ثم إطلاق سراح بلا تفسير. لا بيان. لا حتى كذبة رسمية محترمة جزائرية. فقط صمت ثقيل، كأن الدولة التي تصرخ كل صباح بـ“السيادة الوطنية” نسيت فجأة أن ما حدث كان خارج حدودها.
رسالة النظام الجزائري المبطنة في البرنامج كانت واضحة، “نحن لا نحبك يا أمير، وسنأتيك حتى لو كنت تحت حماية فرنسا”. لكن الرسالة فشلت. فشلت بشكل كاريكاتوري. تحولت من عملية سرية إلى فضيحة علنية. بدل أن يختطف المعارض، اختطفت هيبة النظام الجزائري نفسه ووضعت على طاولة تحقيق فرنسي.
الأطرف أن نظام المورادية نفسه لا يتوقف عن اتهام فرنسا بالتدخل في شؤونه الداخلية. لكنه، في الوقت ذاته يتدخل حرفيا في الشؤون الداخلية الفرنسية. بسيارة خاطفين. وبشرطة مزيفة. وببصمات دبلوماسية تلوح في الخلفية. سيادة بنظام الطلب الخارجي، سيادة ترفع في الخطب، وترمى في سلة القمامة عندما تعيق عملية اختطاف.
ثم جاءت عملية التجنيد في المشهد الثاني في “فيلم” France 2. تجنيد. مهندس في وزارة المالية الفرنسية يسرب عناوين سكن معارضين. ضباط مخابرات يعرضون “التعاون الودي”. والودي هنا يعني: “تعاون معنا، أو سنتذكر أن عائلتك لا تزال في الجزائر”. وبنفس التكتيك حاولوا تجنيد ناشطين مزدوجي الجنسية وأعضاء في هيئات دستورية فرنسية كعملاء وجواسيس. دولة تندد بالابتزاز الاستعماري… وتمارسه بأسلوب إداري وبلهجة هادئة.
فالنظام الجزائري، كما ظهر في البرنامج، لا يخاف من الإرهاب. لا يخاف من الجريمة المنظمة. لا يخاف من الأزمات الاقتصادية. هو يخاف من يوتيوبر. من هاتف. من بث مباشر. من تعليق ساخر. دولة تهتز لأن شخصا بكاميرا أمامية قال: أنتم فاسدون.
المفارقة أن هذا النظام لا يملك خطة سياسية، لكنه يملك خطة اختطاف. لا يملك خطابا مقنعًا، لكنه يملك شرطة مزيفة. لا يملك إجابة على البطالة، لكنه يملك جوابا واحدا على المعارضة: اختطاف، أو جنيد، أو ابتزاز.
ثم يتفاجأ. يتفاجأ لأن فرنسا تحقق. يتفاجأ لأن الإعلام يتكلم. يتفاجأ لأن الفضيحة خرجت للعلن. ويصرخ في وجه “تحيز إعلامي! مؤامرة! استهداف”! نعم، طبعا. الكاميرا هي العدو. العدو هو France 2 لأنها لم تطفئ الضوء قبل التصوير.
ما بثته القناة العمومية الفرنسية مساء الخميس، ظهر النظام الجزائري كطفل ضبط وهو يسرق الحلوى: ينكر، يصرخ، يتهم الآخرين، ثم يغضب لأن الجميع يضحك. كان يريد عملية نظيفة. لكنها تحولت إلى مسرحية هزلية. كان يريد إخافة معارض. أخاف نفسه أمام ملايين المشاهدين. فلم يتم إسكات أمير دي زاد. بل صار أكثر شهرة. التحقيق القضائي فتح. العلاقة مع باريس ازدادت توترا. وصورة النظام خرجت من إطار “دولة ذات سيادة” إلى إطار “عصابة هواة”. بدل أن يربح معركة، خسر وجهه. بدل أن يحمي هيبته، تم عرضها بثمن بخس على شاشة France 2.
أظهر البرنامج خلاصة قاسية، بأن هذا ليس نظاما قويا. بل نظام عصبي. نظام لا يحكم بالعقل. يحكم بالغيظ. لا يفكر في المستقبل. يفكر في الانتقام. لا يخاف من انهيار الدولة. يخاف من فيديو على تيك توك.
بعد ما بثته France 2، صار السؤال مشروعا: إذا كان هذا مستوى الذكاء السياسي خارج الجزائر، فكيف يكون مستوى التهور داخلها؟ وإذا كانت هذه هيبة الدولة في باريس، فكيف حال المواطن في الداخل؟
لم يكشف تحقيق القناة الفرنسية العمومية فقط عن واقعة اختطاف Amir DZ الفاشلة، بل جاء ليوصل رسالة للنظام الجزائري. الإعلان عن إفلاس سياسي يتجاوز الحدود. فحين تستبدل الدولة الدبلوماسية بـ ‘البلطجة’، والمؤسسات بـ ‘الشرطة المزيفة’، فإنها لا تطارد معارضيها فحسب، بل تطارد ما تبقى من كرامتها الدولية. لقد أرادوا إسكات هاتف في باريس، فجعلوا العالم كله ينصت لضجيج سقوطهم.



