
السفير 24 – نورالدين زاوش
لا تأخذ وصفي لك بالصُّعلوك منقصة في حقك، أو مذمة في شخصك، فوالله إنها لرِفعة لك لو تفطِن؛ فإنما الصعاليك من يسرقون من تعوّدوا التخمة ليطعموا الجوعى، والأثرياء ليعطوا الفقراء؛ أما أنت، فتسرق الفضلاء لترمم بالمسروق عورات أسيادك الأنذال، وتسرق الشرفاء لتواري به سوأة مشغليك السفهاء؛ لكن لا عليك، فإنما أنت كرغلي ابن كرغلي، وهل يشقى على الكلب أن يكون ابن كلبة؟
لقد سرق بعض أجدادك الصحراء الشرقية المغربية من قبل، وألقي القبض على بعضهم الآخر متلبسين بسرقة الصحراء الغربية، أضف إلى محاولاتهم البائسة في سرقة التراث والتاريخ والثقافة والحضارة؛ بل لو كان لأسلافك ذكر في التاريخ فلن يكونوا سوى قطاع طرق وقراصنة في أعالي البحار، فكيف يصيب العالمُ العجب وهو يضبط هؤلاء الكراغلة وهم يسرقون في “كان” المغرب الكرات و”الكاكاو” ويتبولون في الملاعب؟
لقد نشرتَ تدوينةً تستغرب فيها كون “الكاف” و”الفيفا” لم يهنِّئا “السنغال” بالفوز بكأس إفريقيا، وأن الأمر سابقة خطيرة؛ ولو أنك تريثتَ قليلا، واستشرتَ عشيقك الشاذ الذي ضُبطتَ بصحبته في أحد فنادق تركيا، لربما كان قد أطْلَعك على السبب فطار عنك العجب؛ لكن لا عليك، فلعل “الكالة” التي تلازم شفتيك الغليظتين لتحفظهما من الارتجاف، وتحمي كفيك من الانبعاج ولسانك من الاعوجاج، قد انتهت مدة صلاحيتها وأنت لا تدري، فصرتَ تهرف بما لا تعرف.
ألم يكن حرّياًّ بك، أيها الصعلوك، أن تستغرب مما فعله السينغاليون من الأعاجيب التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، قبل أن تستغرب مما استغربتَ منه؟ أم أن “الكراغلة” باتوا اليوم “سناغلة”؟
ألم يكن من المنطقي أن تستغرب، في هذا الوقت الذي حلّت ببلدك كارثة الفيضانات، كيف أنكم قوة ضاربة، ودولة قارة، وتتوفرون على أقوى جيش في المنطقة؛ ومع ذلك تنتشلون جثث الهالكين منكم في شاحنات نقل الأزبال؟
أليس من الأشرف لك، استرجاعا لما فضل من الشرف الذي هوى منك في فنادق الهوى المصنفة بتركيا، لولا أن تدخل السيد “ناصر لخليفي” شخصيا، أن تتساءل كيف لشعب “النِّيف” أن يحذف من قانون تجريم الاستعمار، في آخر لحظة من تصويت مجلس الشعب، بند مطالبة المستعمر بالاعتذار الرسمي وبند المطالبة بالتعويض، ولا يُبْقِ سوى على بند: “وانْ تُو تْرِي فِيفا لانجيري”، وبند “يا فرنسا انتهى وقت العتاب، وجاء وقت الحساب”، هذا الحساب الذي ربما لن يأت إلا في يوم الحساب.
لقد اهتز العالم على فضيحة عالمية فجّرها وثائقي القناة الفرنسية الثانية، التي بيَّنت، بالحجة والدليل، بأن دولتَك مارقة، ورئيسك سارق، واستخباراتك فاسدة؛ إذْ لا هَمَّ لها سوى أن تجعل من الجزائريين في الخارج مجرد عملاء وجواسيس على الدول التي احتضنتهم وأكرمتهم، ولعلكَ واحدٌ منهم، وأنت لم يهزك سوى غياب تهنئة الفيفا لمنتخب مازال قيد التحقيق هل فاز أصلا أم لم يفز.
ألا يكفي، أيها الصعلوك، أنك وعمَّك “تبون” قد هنآ واستفاضا في التهنئة؟ ومعكما المؤثر العالمي “بونيف”؟ ألا يكفي أن من ورائكم شعب من أربعين مليون “كرغلي” مُغيب، كان سيتلوَّى في فراشه كالأفعى لو أن المغرب فاز باللقب؟
للحقيقة وللتاريخ، أعترف أمامك وأمام العالم، بأن ليس كل ما جاء في تدوينتك، المثيرة للاستغراب، كذب وافتراء، فقد أصبتَ في جزء منها كبد الحقيقة حينما قلتَ بأن العالم قد هنَّأ السينغال، لأنك تقصد، بلا شك، العالم الموازي.
منذ غزوة “الكركرات” المقدسة، حيث فرّ جنودُك الباسِلون من أرض المعركة، مخلفين وراءهم نعالهم التي تشهد على شجاعتهم، كتبتُ مئات المقالات أُبَين فيها، بالمنطق والعقل والدلائل والتاريخ، بأنك وأسيادك مجرد لصوص في تاريخ البشرية، ومصيركم حتما إلى مزبلة التاريخ؛ لكن العقل والحكمة والحلم والأناة لم يزِدكم إلا طغيانا على طغيان، كما لم يَزِد أنوفكم المزيفة إلا طولا على طول، حتى صارت أطول من خراطيم الأفيال؛ لذا قررتُ أن أكاتبك باللغة التي تعرفها، واللهجة التي تفهمها، وإن عدتم عدنا.
أدفع نصف عمري، لأرى قسمات وجهك وأنت تشاهد السيد “ناصر بوريطة” جالسا جنبا إلى جنب رئيس أقوى دولة على كوكب الأرض، ليكون أول مُوَقِّعٍ على الميثاق التأسيسي لمجلس السلم، والذي من المفروض أن يكون بديلا عن مجلس الأمن، وأدفع النصف الآخر من عمري، لأرى كم تقلصتْ جبهتُك العريضة بعدما شاهدتَ المغرب وهو يلعب مع الكبار، في الوقت الذي لا حديث في إعلامك النَّزِق إلا عن عدد الركلات الباطلة التي منحها الحكام لمنتخب “المروك”، وعدد البطاقات الصفراء التي منحها لمنافسيه، رغم أن “الكان” قد أسدل ستاره منذ أكثر من أسبوع.
في بلدك البئيس، لا يُسمح بالتظاهر نصرةً لغزة أو سوريا أو لبنان أو إيران، كما لا يسمح بالاحتجاج على انقطاع الكهرباء بالأسابيع، وانقطاع الماء بالشهور، ونُدرة الحليب والسميد والزيت والعدس، واختفاء العجلات ومواد البناء وقطع الغيار من الأسواق، كما لا يسمح للشعب بتصوير الطوابير التي أولها في بلاد العرب وآخرها في بلاد العَجم، أو تصوير الطرقات المهترئة، أو القطارات التي استعملت في أفلام رعاة البقر، كما لا يُسمح للمواطن أن يُظهر “أنفه” الذي حيَّر الإنس والجن، إلا إذا كان على الحدود الجزائرية المغربية؛ حتى جادت عليكم المملكة المغربية الشريفة بليلة فرح خرجتم فيها بالملايين تتظاهرون وتتجمهرون.
صحيح أن من بين أسباب هذا الاحتفاء، هو الحقد الدفين على التطور الرهيب الذي عرفته المملكة المغربية الشريفة في كل المجالات، لكن السبب الأعظم، هو الحالة البئيسة التي وصلت إليها بلاد “كرغلستاان”، والحالة المنحطة التي وصل إليها الكائن “الكرغلي” المسكين؛ لكنه للأسف، لا يستطيع أن يُصَرِّف احتقانه وكُبته وغضبه على الطغمة الحاكمة التي تمسك البلاد بيد من حديد، فيضطر إلى أن يُصرِّف ذلك في زي الفرح بخسارة المغرب الكروية.
كرة القدم، أيها الصعلوك، مجرد كرة منفوخة بالهواء، تارة ترتطم بالعارضة وترتد عنها، وتارة ترتطم وتدخل للشباك، وكل من يراهن عليها من أجل استقرار بلد، خصوصا إذا كانت “قارة”، فإنما يراهن على الفراغ، ألم تر أن الملعب الذي سُرق منه اللقب كان يضم سبعين ألف مناصر من المغاربة الشرفاء، ولا واحد منهم قام بشغب أو عمل خارج القانون؛ رغم كمية الغضب والاحتقان؛ لأننا أمة عظيمة كما جاء في بلاغ الديوان الملكي؛ ولسنا مجرد شرذمة من الصعاليك، مع اعتذاري الشديد من الصعاليك.
رئيس جمعية المعرفة أولا*



