
السفير 24 – ذ. خولة زاوش
ليست اللغة مجرّد وسيلة لنقل الخبر؛ بل هي في كثير من الأحيان مرآة لما يُراد إظهاره أو إخفاؤه؛ وفي هذا السياق، يلفت الانتباه نمط متكرر في بعض التغطيات الإعلامية الجزائرية، يتمثل في التحاشي الواضح لذكر اسم “المغرب” في سياقات يفترض فيها أن يكون الذكر بديهيًا وطبيعيًا.
خلال كأس العالم بقطر، تابع الرأي العام العربي والعالمي إنجاز المنتخب المغربي، باعتباره أول منتخب عربي وإفريقي يبلغ نصف نهائي المونديال؛ غير أن بعض التغطيات الإعلامية اختارت صياغات من قبيل: “إقصاء إسبانيا من الدور ثمن النهائي”، دون ذكر الجهة التي كانت من وراء هذا الإقصاء؛ ورغم أن الخبر صحيحا كمعلومة، إلا أنه منقوص دلاليًا؛ مادامه يحجب الفاعل ويُبقي الحدث معلقًا في الفراغ.
الأمر نفسه تكرر عند الحديث عن تنظيم المغرب لكأس إفريقيا للأمم، حيث طغت تعابير مثل “البلد المنظِّم” أو “البلد المضيف” بدل تسمية الدولة صراحة، حتى في سياقات لا تحتمل أي لبس أو حساسية لغوية. هذا النمط المتكرر لا يمكن تفسيره بالصدفة أو بالاقتصاد في اللغة، بل يوحي بوجود حرج رمزي في النطق بالاسم نفسه.
اللغة، في جوهرها، ليست محايدة؛ فاختيار الكلمات أو إسقاطها يعكس موقفًا ذهنيًا وثقافيًا وسياسيا قبل أن يكون تحريرًا صحفيًا؛ فالاعتراف بالحدث دون الاعتراف بصاحبه هو شكل من أشكال “الاعتراف الناقص”، حيث تُقبل الوقائع حين تصبح غير قابلة للإنكار، لكن يُتحايل لغويًا على دلالاتها الرمزية.
هنا تبرز مفارقة ذات بعد بلاغي عميق، تُذكّر بما ورد في القرآن الكريم على لسان فرعون عند لحظة الغرق، حين قال: «آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل»، بمعنى أنه لم يُنكر الإيمان في لحظة ضعف فارقة؛ لكنه لم يجرؤ على التصريح بالاسم، وكأن الاعتراف، حين يأتي متأخرًا ومثقلًا بالكِبر، يبحث عن صيغة تخفف من وطأته النفسية والرمزية.
المقارنة هنا ليست دينية بقدر ما هي لغوية–نفسية: في الحالتين، هناك واقع لا يمكن إنكاره، لكن يُعاد تشكيله لغويًا لتفادي الاعتراف الكامل به؛ فاللغة، حين تُستخدم بهذه الطريقة الفجة، تتحول من أداة وصف للآخر إلى أداة وصف ذاتية تتجاهل الآخر وتتحاشاه؛ الأمر الذي يخفي بين طياته حقدا جزائريا دفينا، وعقدة أبدية اسمها “المغرب”.
في النهاية، لا يُقاس نضج الخطاب الإعلامي بقدرته على المجاملة أو الخصومة، بل بقدرته على تسمية الأشياء بأسمائها، مهما كانت الخلافات السياسية أو الإيديولوجية؛ فالتاريخ لا يُكتب بالتحايل، والحقائق لا تفقد وجودها لمجرد التلاعب في توصيفها، كما أن الأسماء، مهما أُريد لها أن تُغَيَّب، تبقى حاضرة؛ لأن الواقع لا يعترف بالصمت أو الفراغ.
باحثة في سلك الدكتوراه في علم الاجتماع*



