في الواجهةكتاب السفير

أية سلطة لرئيس الحكومة في تدبير الأزمة الصحية الشاملة لوباء كورونا؟ – الجزء الثالث

isjc

* بقلم: ذ. المصطفى ساجد – أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية

 وفي إطار التدابير المتخذة لمرحلة ما بعد كورونا وجه رئيس الحكومة منشورا بتاريخ 04/06/2020 الى وزراء الحكومة يدعوهم من خلاله الى فتح قنوات الحوار مع النقابات والتواصل معهم بشأن الإجراءات والتدابير القطاعية المزمع اتخاذها لضمان السير العادي في مختلف المرافق العمومية، وهو مؤشر على أن ما بعد كورونا لن يشهد نهج قطيعة مع الممارسات البائدة في تدبير شؤون البلاد.

فرغم أن الجائحة قد عرت أزمتها عن تفشي الفوارق الاجتماعية بين الطبقات جراء غياب سياسة اجتماعية على مستوى التغطية الصحية وهيكلة المستشفيات، وكذا قطاع التعليم العمومي، كان على الحكومة أن تتخذها مناسبة أو محطة تاريخية لاستخلاص الدروس والعبر، وبالتالي العمل على القطع مع السياسة الاقتصادية الليبرالية المتوحشة ومع اقتصاد الريع والامتيازات الزبونية … كمظاهر لها عواقب اجتماعية خطيرة على فئات واسعة من المواطنين بمختلف شرائحهم. فلا بوادر تبدو أو تلوح في الأفق المتطور للأخذ بزمام الأمور عبر تبني قرارات عملية وفعلية ملموسة كمدخل يراهن عليه لمعالجة هذه المعضلات الاجتماعية إذ يبقى المدخل السياسي هو السبيل والنهج الوحيد لرسم معالم الخطة البديلة والناجعة لاقتراح الحلول وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال حكومة لها كامل الصلاحيات والسلط التي تخول لها تسطير برنامج فعلي، وجميع أعضائها منبثقون عن صناديق الاقتراع، وبالتالي تكون ملزمة أمام المواطنين بتطبيق برنامجها الانتخابي ومساءلته فيما بعد.

 ولعل هذا الإجراء هو وحده الكفيل باسترجاع الثقة المفقودة وردم الهوة أو الشرخ الحاصل بين الدولة وفئات من المجتمع المهمش، ومما أفرزه لنا من طبقتين متعارضتين ومتضاربتين في مصالحهما، طبقة، من جهة، تستحوذ على كل الثروات والخيرات، وماسكة بيد من حديد لمفاصل و دواليب الدولة، تنعم هي و أبناءها في رغد العيش، وتحرص على إعادة إنتاج الوضعية والنخبة المكونة في المعاهد والجامعات الخاصة بالمغرب والخارج من خلال تعليم طبقي، كما تحظى بكامل العناية والرعاية والاهتمام و الأضواء. فيما الطبقة المهمشة، من جهة ثانية، محرومة من ضرورات العيش الكريم والحقوق الاجتماعية في التعليم والصحة والثقافة، وتعيش ضحية اضطهاد ممنهج، ويتم التعامل معها فقط كاحتياط انتخابي أو اجتماعي يتم استنفاره عند الضرورة، أو كجيش صناعي وحرفي ومهني يتم استغلاله بأرخص الأجور وأدناها، ورهنه كرهينة لثقافة الإحسان والمساعدات الغذائية والتصدق بالقفة، وهي التي عكستها مسيرات الجوع المنددة بالحيف والظلم الاجتماعيين (زحيليكة، آسفي…).

فالجوانب السلبية لسياسات تدبير أزمة كورونا خلفت استياءات و تنديدات وحتى مسيرات المناهضة بمجموعة من الدول عبر العالم بما فيها الدول التي قطعت أشواطا تاريخية في المسار الديمقراطي والتي تعنى باحترام حقوق الإنسان من خلال مؤسسات قوية وفصل حقيقي للسلط، كما هو حال الاستياء العارم والتنديدات القوية لفئات واسعة من المواطنين الفرنسيين ضد طريقة و أهداف تدبير الأزمة الصحية و”بالديكتاتورية الصحية لماكرون”. إلا أنه في الدول التي تمارس فيها الحكومات، المنبثقة كليا عن صناديق الإقتراع، مشاريعها المجتمعية و تكون بذلك مسؤولة بصفة كاملة عن سياساتها العمومية، فالمواطن له سلطة محاسبة ومعاقبة هذه الحكومات في المحطات الانتخابية. عكس ذلك، ففي الدول الأقل ديمقراطية كحال الدول العربية، فالتحولات والتركيبات السياسية الناجمة عن انتفاضات ما يسمى “بالربيع العربي” لا تعدو أن تكون إلا تغييرات جزئية تمس جوانب معينة على المستوى الدستوري والمؤسساتي دون وضع الأنظمة السياسية لهذه الدول على سكة الديمقراطية الحقيقية التي تتطابق مع إرادة الشعوب وطموحاتها ومبتغياتها للحريات والتوزيع العادل للثروة والالتزام التام بالحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية…

ففي هذه الدول الأقل ديمقراطية، التي تمازج بين أساليب الاستبداد ومؤسسات الديمقراطية “Démo-despotisme ou démocrature” ، والتي تسعى الى تلميع صورتها وتمرير برامجها وخطاباتها عبر شعارات “الانتقال الديمقراطي” و “تداول وانتقال السلطة”

” Transitologie du pouvoir” فالعقاب الانتخابي للتدبير الحكومي لا يماثل حدته في الدول المتقدمة بحيث أن عوامل عدة تحول دون فعالية هذا المنطق الذي يغيب عند مواطن عرضة للاهانة وللاستغلال البشع لفقره ولجهله وباعتباره كسلعة قابلة للشراء ومن خلال الاستثمار الانتخابوي للمساعدات الغذائية تحت غطاء “أعمال الخير والإحسان” من طرف جمعيات ذات ارتباطات حزبية، والتي تخدم أهداف التوسع والاستقطاب.

نعايش ونلاحظ كذلك كيف أن كل الحكومات المتعاقبة – مع استثناء حكومة عبدالله إبراهيم، الذي يعد من المؤسسين برفقة المهدي بن بركة وعبد الرحيم بوعبيد وأخرين لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (UNFP)، هذه الحكومة الاشتراكية التي، في سياق عالمي يتميز بالحرب الباردة بين المعسكر الغربي الرأسمالي والمعسكر الشرقي الاشتراكي وبالحركات الثورية والتحررية في دول العالم الثالث لمقاومة القوى الاستعمارية والامبريالية، عملت على وضع برنامجا ومخططا للقطع مع الإرث الاستعماري ومع التبعية الاقتصادية و السياسية وللنهوض بالاقتصاد الوطني وتحريره- لم تغير من جوهر تدبير السياسات العمومية للحد من سلط الوصاية وللدفع بتقوية وتوسيع دور البرلمان في التشريع والرقابة والمحاسبة وللعمل على سن تشريع فصل حقيقي للسلط.

فالعملية الانتخابية تكون غير فعالة ولا تأثير لها على مستوى التغيير الاجتماعي والحقوقي، وعلى التحويل الملموس للسياسات الاقتصادية والاجتماعية، 

“Forte inflexion des politiques économiques et sociales” 

عندما تنبثق عنها حكومة هجينة وليست لها كامل السلطة على تدبير قطاعات استراتيجية وحيوية تهم الحياة اليومية للمواطن وبالتالي فهي تتجنب مبادرات وقنوات الصراع لفرض توجهات وقرارات من شأنها إزعاج وضرب مصالح ومكتسبات الجهات والفئات النافذة والميسورة والتي تقاوم سياسات عمومية لا تخدمها من خلال الاستحواذ على السلطة وعلى الثروة (عدم محاربة اقتصاد الريع، الامتناع عن سن ضريبة على الثروة، سياسة اقتصادية على مقاس الجهات النافذة، عدم تفعيل المنافسة الحقيقية في المجال الاقتصادي…). فحسب عدة دراسات وتقارير وطنية و دولية، فالأسباب والعوامل الرئيسية للمشاكل الاجتماعية تكمن في نظام ضريبي غير عادل “système fiscal non équitable” بحيث أن النظام الضريبي المغربي ليست له علاقة وثيقة مع وعاء خلق الثروة وأن نجاعة تحصيله للموارد العمومية ترتكز أساسا على الاقتطاعات من الأجور وعلى الضرائب غير المباشرة، وبالتالي فهذا النظام يثقل كاهل الفئات الفقيرة والمتوسطة ويترك ثروات طائلة دون إقتطاعات ضريبية، من خلال التهرب الضريبي واستغلال النفوذ وإعفاءات ضريبية لصالح قطاعات منتجة…، الشيء الذي يقلص من الموارد العمومية يؤزم الوضعية الاجتماعية للبلاد.

فالعقاب الانتخابي يتجسد كذلك في الامتناع عن المشاركة الانتخابية عبر العزوف عن التصويت لنسبة مهمة من المواطنين الناخبين ومن خلال رفض بعض الفعاليات السياسية الترشيح للانتخابات برمة أشكالها، معتبرين أن الانتخابات لا تغير من جوهر أمور الشأن العام وتدبير مصالح البلاد- على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والبيئي …- في ظل مناخ يتسم بعدم توزيع وفصل السلط وباستمرارية احتكارها وأن سلطة الوصاية تحد من استقلالية وفعالية مجالس الجماعات الترابية وأن البرلمان ما هو إلا غرفة للتسجيل “Chambre d’enregistrement” و أن لا دور له في القرارات الإستراتيجية أو في التأثير على السياسة الاقتصادية، و الاجتماعية والحقوقية للبلاد. فبالنسبة لهذه الفعاليات السياسية والحقوقية، فالعملية الانتخابية، التي تهدف الى مواكبة العصرنة السياسية، تخدم “ديمقراطية الواجهة” في ظل تقطيع انتخابي يخدم أبناء الأعيان والإقطاعيين والمرشحين المراكمين للأموال المشبوهة و المستثمرين ماليا في “السوق الانتخابي”، وكذلك بالرجوع الى محدودية استقلالية عمل المجالس المنتخبة من خلال الخنق والتوجيهات والعراقل التي تمارسها سلطات الوصاية.

هذه الفعاليات، التي ترفض المشاركة في الانتخابات، تعتبر أن الدستور الذي يؤطر الحياة السياسية، لا يعدو أن يكون إلا نصوص ممنوحة تمت صياغتها على مقاس الجهات النافذة المتحكمة في تدبير الشؤون العامة للبلاد وأن الدستور الديمقراطي يجب أن يتم صياغته من طرف مجلس تأسيسي مستقل. 

“فما ينبغي أن يكون” أي ديمقراطية حقيقية مصدرها إرادة الشعوب وسياسات عمومية في خدمة المواطن له علاقة مع الصراع الطبقي ومع تنامي الوعي بتناقض المصالح بين فئات تستحوذ على السلطة والثروة وفئات مضطهدة ومسلوبة في حرياتها وحقوقها وثروتها وكذلك باصطفاف الفئات المثقفة بجانب هذه الشرائح المستغلة والمهمشة من خلال الارتباطات العضوية السياسية و المجتمعية لتسريع وثيرة التغيير على مستوى اقتسام الثروة وطبيعة العلاقات الإنتاجية والاجتماعية. إلا أنه فمطمح هذا التغيير لا يجب أن يضحي بالفئات الحاضرة وأن تفعيل مؤسسات ” ما هو كائن ” يعتبر أمرا مهما وعلى رئيس الحكومة أن يفعل سلطته على جميع القطاعات الوزارية كما ينص على ذلك دستور 2011 في الفصول 89-90-91-92-93-94، وأنه لا وجود بالنص الدستوري استثناء قطاعات وزارية عن سلطته. كما هو حال الدول الإفريقية والعربية والدول الأقل ديمقراطية بالقارات الأخرى، فالسلطة الحقيقية غالبا ما تكون خارجة عن صناديق الاقتراع، كما هو الشأن عندما يتم طرح مكانة “الدولة العميقة” و “حكومة الظل”. إلا أنه بقبول نص دستوري يؤطر الحياة السياسية، فرئيس الحكومة معني بتفعيل سلطته وبالقرارات المتخذة.

الأزمة الصحية الشاملة لوباء كورونا فضحت هيمنة الفكر الليبرالي ودعاته، من مؤسسات دولية وسياسيين ومنظرين اقتصاديين، من خلال تأثيراته جد السلبية والكارثية على السياسات الاقتصادية والاجتماعية لغالبية دول المعمور، بحيث أن هاجس التوازنات المالية والماكرو اقتصادية أضحى هو المتحكم في السياسات الاقتصادية للدول المتقدمة والدول الأقل تقدما، وذلك عبر التخفيف من النفقات العمومية وخاصة النفقات الاجتماعية التي أضحت تحت مجهر برامج التقشف لحكومات الدول بتأثير من مؤسسات الاتحاد الأوروبي وتوصيات المؤسسات المالية الدولية، هذه المؤسسات التي فرضت، على مجموعة من الدول النامية التي عجزت عن تسديد مديونيتها، تطبيق برامج التقويم الهيكلي منذ بداية الثمانينات.

يتبع..

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى