في الواجهةكتاب السفير

هل حان وقت المطالبة بسبتة ومليلية المحتلتين؟

isjc

* د. يسين العمري

في خضمّ تفاعلات الأزمة غير المسبوقة في العلاقات المغربية – الإسبانية، على خلفية الدخول الهوليودي لزعيم البوليساريو للاراضي الاسبانية باسم وجواز سفر مزورين جزائريين، وادّعاء الجانب الاسباني أنّ تواجده له بعد إنساني، ثمّ رفض القضاء الإسباني يوم أمس إدانة المدعو ابراهيم غالي ومن ثَمّ عودته للجزائر، وهو ما أدّى لسخط الجانب المغربي على طريقة التعامل الإسباني مع هذا الملفّ، وما استتبعه مسلسل جرّ الحبل بين الطرفين من استدعاء السفيرة المغربية بإسبانيا الى الرباط للتشاور، وموجة الهجرة غير المسبوقة من المغاربة ومواطني افريقيا جنوب الصحراء الى سبتة، الذي خلف بدوره غضب وحنق مدريد…. وهو ما جعل هذه التفاعلات وردود الافعال لدى الطرفين توضّح بالملموس وجود أزمة حقيقية بين الطرفين، غذّتها أمور أخرى مثل الموقف الاسباني الرافض للاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وترسيم المغرب لحدوده البحرية وضمّه لجبل تروبيك الغني جدّا بالمعادن، ثمّ تصريح رئيس الحكومة المغربي بأنّ سبتة ومليلية مغربيتين وستتمّ المطالبة بهما بعد طيّ ملف الصحراء، والتأكيدات المتوالية لوزير الخارجية المغربي للصحافة المغربية والإسبانية بأنّ مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس وخنق المغرب الفعلي لاقتصاد سبتة ومليلية المحتلتين، والتكثيف الإعلامي لمحللين سياسيين مغاربة لهم وزنهم الأكاديمي والإعلامي لفكرة المطالبة بإنهاء إسبانيا لاحتلال سبتة ومليلية، مظاهرات في إسبانيا ضدّ المغرب وتدنيس الراية الوطنية، وحملات نشطاء مغاربة في وسائل التواصل الاجتماعي لمقاطعة البضائع الإسبانية، التعامل الأمني الإسباني مع النازحين المغاربة…. إلى آخره من المواقف والتصريحات والأفعال التي زادت من حِدّة التوتر بين الطرفين…. كلّها أمور ومستجدّات تجعلنا كباحثين ومثقفين مغاربة نتساءل ألم يحن فعلا الوقت لمطالبة المغرب رسميا باسترجاع سبتة ومليلية و 21 جزيرة مغربية تحتلها إسبانيا؟

هناك قراءتان ممكنتان في هذا الصدد، أولاهما ترى الأمور من المنظور البراغماتي النفعي المحض، وهي في تقديري الأقرب إلى الصواب، وهناك القراءة الانتظارية الهادئة التي لا تستعجل الأمور، فالنظرة النفعية تنبني على استغلال الزخم الحاصل الآن في ملفّ سبتة ومليلية والنقاش الدائر حولهما على مستوى النخب السياسية والمجتمعية، واستغلال التوتر الحاصل مع إسبانيا لطرح الموضوع كورقة ضغط في مرحلة أولى، مقابل موقف إسبانيا العدائي تجاه وحدة المغرب الترابية (قضية الصحراء المغربية)، ومن ثمّ وبتدرّج يتحوّل الأمر من ضغط إلى مطالب حقيقية على أرض الميدان، وكما يذهب ميكيافيلي رائد المدرسة البراغماتية النفعية في السياسة، فالغاية تبرّر الوسيلة، وبالتالي المغرب يمكن له استغلال هذه الظروف لإلقاء ورقة سبتة ومليلة الآن وليس غداً (Maintenant ou jamais)، حيث من المستبعد أن يجد المغرب ظروفا استثنائية مثل هذه لإثارة القضية. لكن ما هي الأدوات التي يمكن أن يعوّل عليها في ذلك؟

الجواب على هذا السؤال هو جواب على من يتبنّى المقاربة أو القراءة الثانية (الهدوء والانتظار)، الذين يرون في القراءة الأولى انفعالية متحمّسة أكثر من اللازم وربّما طائشة وغير واقعية الخ الخ… 

أولا: المغرب أمام واقع واضح وهو أنّ إسبانيا اختارت صفّ انفصاليي البوليساريو وداعمتهم الجزائر، وعلى المغرب استغلال كلّ الأوراق التي في يده ورفع السقف عالياً في معاملته مع الجار الإسباني، الذي لا يزال يرى المغرب جاراً صغيراً غير مكافئ، ومن أكثر أوراق الضغط إيلاماً الآن فتح ملفّ سبتة ومليلية والجزر.

ثانياً: من يرى أنّ قضية الصحراء المغربية تحول دون إثارة سبتة ومليلية والجزر المحتلّة، أذكّرهم أنّ المغرب يدفع إلى اليوم ثمن تكالب القوى الاحتلالية المختلفة عليه لتقزيمه وتحجيمه، وبالتالي فعدم مطالبته باستقلال تامّ وناجز لكافّة أراضيه منذ الخمسينات، جعل تحرير التراب الوطني يتمّ بالقطعة (منطقة بعد أخرى)، وهذا كلّف المغرب عدم استكمال وحدته الترابية على كامل أراضيه إلى اليوم، وقضية الصحراء المغربية اليوم تميل الكفّة فيها إلى المغرب، كما أنّ قضية سبتة ومليلية والجزر مهما أجّلناها فهي آتية لا محالة، شأنها في ذلك شأن الصحراء الشرقية، فلماذا لا يتمّ إثارة القضية اليوم ما دامت الظروف تسمح؟

ثالثاً: استغلال ورقة سبتة ومليلية كواحدة من بين أوراق الضغط الكثيرة التي يملكها المغرب في مواجهة المحتلّ الإسباني كاتفاقية الصيد البحري، ملف الهجرة السرية، التنسيق الأمني في قضايا الإرهاب… الخ

رابعاً: يمكن استغلال الظروف الإقليمية والدولية لصالح المغرب، وجعلها خادمة له في طرح ملف المدينتين السليبتين، فالتقارب المغربي الأمريكي في أوج مراحله، ويمكن توظيف قوّة اللوبي اليهودي المغربي في العالم لخدمة هذه القضية، ويمكن كذلك استغلال المال الخليجي والدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي العربي والإفريقي والإسلامي (باستثناء الجزائر طبعاً) باعتبار قضية سبتة ومليلية في ظلّ هذا الزّخم الحاصل مسألة استقلال وطني وتحرير وتصفية احتلال شأنها في ذلك شأن القضية الفلسطينية، مقابل وقوف الاتحاد الأوربي مع إسبانيا.

خامساً: السياسة هي فنّ الممكن، فإن لم يكن تحرير سبتة ومليلية ممكناً الآن، فعلى الأقل التحريك (تحريك ملف المدينتين السليبتين والجزر المحتلة) ممكن وممكن جدّاً.

سادساً: يمكن خلق اتّجاه داخل مدينتي سبتة ومليلية لدى السكان المغاربة يدفع باتّجاه المطالبة بالعودة لحضن الوطن الأمّ تحت حكم وسيادة ملك البلاد وراية الوطن، فأهل سبتة ومليلية والجزر المحتلّة هم مواطنون مغاربة مسلمون عرباً وأمازيغ، وهم أولا وأخيراً من رعايا أمير المؤمنين، ودعم هذا الاتجاه أو تغذية النزعة التحريرية بكافّة الوسائل الممكنة (الغطاء السياسي الإعلامي الدبلوماسي والبروباغندا وغيرها من الوسائل التي تكفلها المواثيق الدولية والرسالات السماوية لتحرير البلدان).

سابعاً: الاستمرار في الخنق الاقتصادي للمدينتين ما دامتا تحت سيادة دولة أجنبية محتلّة.

ثامناً: لعب ورقة سبتة ومليلية وحتى الصحراء المغربية مقابل كطالونيا والباسك.

تاسعاً: تهيئ المجتمع المغربي للتأهّب لفكرة تحرير سبتة ومليلية والجزر (التنشئة الاجتماعية عبر الأسر، المدارس، الجامعات، الأعمال الفنية، خطب رجال الدين، المثقفين، دور الإعلام…. الخ).

عاشراً: المطالبة الرسمية بالمدينتين والجزر المحتلّة بالأمم المتحدة، فالواقع الجغرافي والتاريخي والسكاني واقع لا يرتفع مهما حاولت إسبانيا والاتحاد الأوربي من خلفها الادّعاء الزائف بأنّهما إسبانيتان، ويمكن العودة لعدّة تجارب واستخلاص العبرة منها، مثل تجربة استرجاع مصر لقناة السويس وغيرها من تجارب الدول لاستكمال تحرير أراضيها.

ختاماً، في تقديري فإنّ المطالبة بسبتة ومليلية ممكن الآن وليس غدا، إمّا للتحرير وهو المطلوب والمرغوب، أو على الأقلّ لتحريك الملفّ واستغلاله كورقة ضغط كمرحلة أولى في أفق التحرير في المستقبل، لأنّ الهدف النهائي هو استرجاع المغرب للمدينتين والجزر المحتلة، وكامل ترابه الوطني شرقا وشمالا وجنوبا.

دكتور في علم الاجتماع السياسي والديني *

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى