في الواجهةكتاب السفير

انتهاء عقد الشغل في القانون المغربي

isjc

* د. يسين العمري

سأحاول في هذا المقال التجاوب مع أحد السائلين (حسن من مدينة أزرو)، بخصوص انتهاء عقد الشغل في القانون المغربي، وكان الطالب المذكور قد تعرّض للفصل من إحدى المقاولات الخاصّة،  لذلك منحت هذا الأمر أهمية قصوى، و للتمييز فمدونة الشغل تنظم العلاقات بين الأجراء في القطاع غير العمومي الذي يخضع لمقتضيات القانون الأساسي للوظيفة العمومية أو لنصوص أخرى تنظم العلاقة بين الإدارة و من يعملون بها.

 وبعد هذا التمييز الضروري لغير المتخصصين بشكل أساسي، أبدأ أولا من أجل الإخطار، حيث أحالت مدوّنة الشغل الحالية في تحديد أجل الإخطار و مدته على نصوص تشريعية أو تنظيمية أو عقد الشغل نفسه أو اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي للشركة أو العرف الذي ينظّم حرفة ما أو مهنة، و قد أكّدت المدونة على بطلان كلّ شرط يحدّد بمقتضاه أجل بقلّ في جميع الحالات عن ثمانية أيام (المادة الثالثة والأربعون من مدونة الشغل).

أما المقتضيات المنظّمة لرخص تغيّب الأجير خلال أجل الإخطار، فيُلَاحَظُ أنّها توحّدت في مدوّنة الشغل الحالية سواء من حيث مدّتها أو من حيث كيفية توزيعها على الأسبوع أو الشهر أو من حيث تقرير التناوب ما بين المشغّل و الأجير لتحديد تلك المدّة (المواد الثامنة والأربعون و التاسعة و الأربعون و الخمسون من مدوّنة الشغل).

أنتقل بعد هذا إلى مسألة غاية في الأهمية ربّما يجد فيها السائل ما يساعده، بحكم أنّه ذكر أنّه تعرّض للفصل دون ذكر ملابسات واضحة و أبرزها سبب أو أسباب الفصل لأكيّفه وفق النصوص هل هو فصل تعسفي أو لا، و عليه سأوضّح ما جاء في مدوّنة الشغل عن الفصل التعسفي، حيث عمدت إلى تحديد مفهوم التعسّف و تحديد حالاته  من خلال جرد أور ستّة لا تعدّ مبرّرات مقبولة لاتّخاذ العقوبات التأديبية، و قد تمّ ذكرها في المادّة السادسة و الثلاثين من مدومة الشغل وهي كالتالي: 

– الانتماء النقابي أو ممارسة مهمة الممثل النقابي،

– المساهمة في أنشطة نقابية خارج أوقات الشغل، أو أثناء تلك الأوقات برضى المشغّل أو عملا بمقتضيات اتفاقية الشغل الجماعية أو النظام الداخلي،

– طلب الترشيح لممارسة مهمة مندوب الأجراء، أو ممارسة هذه المهمة أو ممارستها سابقاً.

– تقديم شكوى ضدّ المشغّل أو المشاركة في دعاوى قضائية ضدّه في نطاق تطبيق مقتضيات هذا القانون،

– العِرق أو اللون أو الجنس أو الحالة الزوجية أو المسؤوليات العائلية أو العقيدة أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني أو الأصل الاجتماعي،

– الإعاقة إذا لم يكن من شأنها أن تحول دون أداء الأجير المعاق لشغل يناسبه داخل المقاولة.

 و قد حسمت مدوّنة الشغل إشكالية من يقع عليه عبء الإثبات عندما نصّت صراحة على أنّ عبء إثبات وجود مبرّر مقبول لفصل الأجير يقع على عاتق المشغّل (المادة الثالثة و الستون الفقرة الثانية). أمّا بالنسبة للتعويض عن الفصل التعسفي، فقد ذكرت المدوّنة على أنه في حالة فشل محاولة صلح تمهيدي بين الطرفين يستفيد الأجير من تعويض عن الضرر محدّد مبلغه على أساس أجر شهر و نصف عن كلّ سنة عمل أو جزء من السنة على ألا يتجاوز مبلغ ذلك التعويض سقف أجر ستّة و ثلاثين شهراً ( الفقرة الأخيرة من المادّة الحادية و الأربعين).

من الأمور المتعلقة كذلك بانتهاء علاقة الشغل، نجد الفصل لأسباب تكنولوجية أو هيكلية أو اقتصادية و إغلاق المقاولات، و من أهمّ ما جاء في مدونة الشغل في هذا الصدد توسيع مجال الفصل بإضافة أسباب أخرى للأسباب الاقتصادية و هي الأسباب التكنولوجية (حيث قد يصبح بعض الأجراء غير قادرين على مواكبة التطور العلمي و التكنولوجي من حيث التعاطي مع آليات و معدّات الشغل) و الأسباب الهيكلية ( حيث قد لا تستوعب التغييرات المحدثة على صعيد مرافق المقاولة بعض الأجراء) ثمّ الإغلاق الناتج عن استحالة مواصلة المقاولة لنشاطها (المادتان ستة و ستون و تسعة و ستون من مدونة الشغل).

 أنتقل الآن إلى نوع آخر جد هامّ من أنواع إنهاء علاقة الشغل و أتحدّث هناعن الفصل التأديبي، فبالنظر إلى خطورة ثبوت ارتكاب الأجير لخطإ جسيم على وضعه الحقوقي، فقد حرصت مدونة الشغل على وضع لائحة للأخطاء الجسيمة التي من شأنها أن تكون سبباً في فصله من طرف المشغّل (المادّة التاسعة و الثلاثون من مدونة الشغل)، و لم تكتف بحصر الأخطاء الجسيمة بل قرنها بشروط لتكون فعلا أخطاءاً جسيمة، فمثلاً ارتكاب جنحة ماسّة بالشرف أو الأمانة أو الآداب العامّة، هذا الأمر اقترن بشرط أن يكون الحكم القضائي الصادر في حقّ الأجير نهائياً و سالباً للحرية، ليفصل الأجير على إثره.

أمر آخر في غاية الأهمية، و في تقديري هو من ضمن الإجراءات الحمائية التي أتت بها مدونة الشغل في صالح الأجراء، بحيث لا تعدّ جلّ الأخطاء جسيمة إلا إذا ارتكبت داخل المقاولة أو أثناء الشغل، كما تمّ تعليق ارتقاء بعض الأخطاء إلى الأخطاء الجسيمة على شرط إحداثها لأضرار بالمقاولة أو المشغّل، كما تمّ ضبط حدود التغيّب المتكرّر، كما حسمت المدوّنة في المسّ بحرية الشغل من خلال اعتباره كخطإ جسيم حينما يتجلّى كنوع من أنواع الاعتداء البدني ضدّ أجير أو ضدّ المشغل أو من ينوب عنه لعرقلة سير المقاولة، مع تخويل مفتش الشغل إمكانية معاينة تلك العرقلة تفاديا للدعاوى الكيدية التي يقيمها المشغل ضدّ الأجراء في حالة الإضراب عن الشغل مثلا (المادة التاسعة و الثلاثون).

كذلك تمّ إدراج التحرّش الجنسي ضمن الأخطاء الجسيمة المنسوبة للمشغلّ، و التي تعتبر مغادرة الأجير بسببها للشغل بمثابة فصل تعسفي (المادة أربعون)، أما بخصوص مسطرة الفصل للخطإ الجسيم و أثر ثبوت هذا الأخير على حقوق الأجير، فقد اعتبرت المدونة رسالة الطرد مجرد وسيلة إثبات لتاريخه، و ليس شرطاً لصحّة الطّرد، و قد استلهمت مدونة الشغل هذا الإجراء من الاتفاقية رقم مائة و ثمانية و خمسون لمنظمة العمل الدولية، و كذلك ما تمّ تكريسه في العمل القضائي، و أضيفت له إجراءات أخرى تلزم قاضي الشغل من قبيل:

– الاستماع إلى الأجير المنسوب إليه الخطأ الجسيم من أجل الدفاع عن نفسه، بحضور مندوب الأجراء أو الممثل النقابي يختاره الأجير بنفسه (المادة الثانية و الستون من مدونة الشغل)،

– منح الخيار للمشغّل في كيفية تبليغ مقرر الفصل إلى الأجير إما يدا بيد مقابل وصل، أو بواسطة رسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل (المادة الثالثة و الستون)،

– تقوية مجال مراقبة مشروعية الفصل من جانب مفتّش الشغل، طالما أنّ مقرر الفصل يفترض أن تصل نسخة منه إلى المفتش و يجب أن يكون مرفقاً بالمحضر المتضمّن لجلّ مراحل مسطرة الفصل (المادة الرابعة و الستون)،

– حصر أمد الدعوى للفصل التأديبي في تسعين يوما تحت طائلة سقوط الحق (المادة الخامسة و الستون)،

– تعليق إمكانية فصل كل من مندوب الأجراء و الممثل النقابي على حصول المشغّل على مقرر مقبول و بالموافقة من جانب مفتش الشغل (المادتان أربعمائة و سبعة و خمسون و أربعمائة و اثنان و سبعون)،

بخصوص جزاء ثبوت ارتكاب الأجير للخطإ الجسيم، فحسناً فعلت مدونة الشغل حين حصرت حرمان الأجير من التعويضات فقط دون باقي المستحقات، مراعاة للجانب الاجتماعي و الأسري و الحقوقي للأجير.

   أختم مقالي هذا بآخر ملمح من ملامح إنهاء علاقة الشغل وهو تقديم الاستقالة، حيث أنّ المدونة تفادياً للإشكالات المثارة بصدد احتمالات الاستقالة الاضطرارية أو الوهمية التي قد يستغلّها المشغل ضدّ الأجير، و ضبطاً لآثار الاستقالة عموماً، فقد عمدت المدونة إلى اشتراط المصادقة على صحّة إمضائها من طرف الجهة المختصّة (المادّة الرابعة و الثلاثون)، فضلاً عن توجيه نسخة من رسالة الاستقالة إلى مفتّش الشغل كلما تعلّق الأمر بانعقاد المجلس التأديبي قبل فصل الأجير بدعوى ارتكابه لخطإ جسم، و انتهى ذلك المجلس بتقديم الأجير لاستقالته (المادة الرابعة و الستون).

أرجو أن تعمّ الفائدة بهذه المقالات القانونية، و أن تساهم في نشر المعلومة القانونية و الوعي الحقوقي، و منفتح على أسئلة القراء الكرام و مقترحات المواضيع عبر بريدي الالكتروني:  [email protected]

و الله من وراء القصد و هو يهدي إلى سواء السبيل.

دارس ومهتمّ بالقانون المقارن*     

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى